ثم تتساوى العرب وفارس في أن الفريقين ملكوا، وتفضلها العرب بأن قواعد ملكها نبوة وقواعد ملك فارس استلاب وغلبة، وتفضلها العرب بأن ملكها ناسخ وملك فارس منسوخ، وتفضلها بأن ملكها متصل بالساعة، وملك فارس محدود، وتفضلها العرب بأن ملكها واغل في أقاصي البلاد، داخل في آفاق الأرض، وملك فارس شظية منه ليس فيه الشام ولا الجزيرة ولا خراسان في أكثر مددهم ولا اليمن إلا في أيام وهزر وسيف بن ذي يزن.
ومن عجب أمرهم أيضا فخرهم على العرب بآدم بقول النبي
صلى الله عليه وسلم : «لا تفضلوني عليه؛ فإنما أنا حسنة من حسناته.» ثم بالأنبياء وهم من العجم إلا أربعة نفر: هود وصالح وشعيب ومحمد
صلى الله عليه وسلم ؛ وفي هذا القول وضع الفخر على غير أساس، ومن أسس بنيانه على الباطل والغرور أوشك أن يتداعى وأن يخر وظلم للعرب فاحش، ومنه ادعاؤهم آدم كأن العرب ليسوا من ولده، ومنه انتحالهم موسى وعيسى وزكريا، ويحيى وأشباههم من بني إسرائيل. وليس بين فارس وبين بني إسرائيل نسب على ما بينت لك، ومنه دفعهم العرب عن قربهم بهؤلاء الأنبياء وهم بنو عمومهم وعصبتهم؛ لأن العرب بنو إسماعيل بن إبراهيم بإجماع الناس، فهم بنو أخي إسحاق بن إبراهيم وأولى به وأحق بشرفه وأولى بموسى وعيسى وداود وسليمان وجميع الأنبياء من ولده. وقال الله تعالى:
إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين (آل عمران: 33)، قال إبراهيم: هم ولد إسحاق وولد إسماعيل، ثم قال:
ذرية بعضها من بعض (آل عمران: 34).
فأعلمنا أن العرب وبني إسرائيل شيء واحد في النسب، وفيما أوحى الله إلى موسى: إني سأقيم لبني إسرائيل من إخوتهم مثلك، أجعل كلامي على فيه، يريد: أنه يقيم لهم من العرب نبيا مثل موسى يعني: نبينا محمدا
صلى الله عليه وسلم
وهذا علم من أعلامه وحجة من حججنا على أهل الكتاب من كتبهم؛ فإن قالوا في ذلك إنه يقيم لهم من بني إسرائيل نبيا مثل موسى. وقالوا: إن بني إسرائيل بعضهم إخوة بعض، أكذبهم النظر؛ لأنه لو أراد ذلك لقال لهم: من أنفسهم ومنهم كما أن رجلا لو أراد أن يبعث رسولا من خندف لم يقل سأبعث رسولا من إخوة خندف، فإن كان دفعهم ولد إسماعيل عن تشابك نسبهم بولد إسحاق لنزول إسماعيل الحرم ونكاحه في جرهم؛ فإن الديار قد تتناءى والمحال قد تتباين، والرجل قد ينكح في البعيد وقد يولد له من الإماء ولا تنقطع الأرحام والأنساب.
وإن كان إسماعيل نطق بالعربية فليس اختلاف الناس في الألسنة يخرجهم عن نسب آبائهم وإخوانهم وعشائرهم؛ فهؤلاء أهل السريانية قد خالفوا في اللسان أهل العبرانية وهذه الروم كفرت بالله ولا شيء أقطع للعصمة من الكفر وتكلمت بالرومية، ورغبت عن لسان آبائها وليس ذلك بمخرجها عن ولادة إسحاق بن إبراهيم، على أن إسماعيل لم يكن أول من نطق بالعربية، وإنما تعلمها وإنما أصل العربية لليمن؛ لأنهم من ولد يعرب بن قحطان. وكان يعرب أول من تكلم بالعربية حين تبلبلت الألسن ببابل، وسار حتى نزل اليمن في ولده ومن تبعه من أهل بيته، ثم نطق بعده ثمود بلسانه وشخص حتى نزل الحجر.
حدثني أبو حاتم قال: حدثني الأصمعي، قال: أخبرنا أبو عمرو بن العلاء قال: تسع قبائل قديمة: طسم، وجديس، وعهينة، وضجم - بالجيم وبالحاء - وجعم، والعماليق، وقحطان، وجرهم، وثمود.
وحدثني أبو حاتم قال: حدثنا الأصمعي قال: حدثنا ابن أبي الزناد عن رجل من جرهم قال: نحن بدء من الخلق لا يشاركنا أحد في أنسابنا، يقول من قدمنا فهؤلاء قدماء العرب الذين فتق الله ألسنتهم بهذا اللسان. وكانت أنبياؤهم عربا: هود، وصالح، وشعيب.
حدثني عبد الرحمن عن عبد المنعم، عن أبيه، عن وهب بن منبه أنه سئل عن هود، أكان أبا اليمن الذي ولدهم قال: لا ولكنه أخو اليمن في التوراة، فلما وقعت العصبية بين العرب، وفخرت مضر بأبيها إسماعيل ادعت اليمن هودا ليكون لهم والد من الأنبياء. «قال»: وأما شعيب من ولد رهط من المؤمنين تبعوا إبراهيم لما هاجر إلى الشام، ولم يكن يثبت لهم نسب في بني إسرائيل، ولم تكن مدين قبيلة، ولكنها أمة بعث إليها فلما بوأ الله إسماعيل الحرم وهو طفل، وأنبط له زمزم، مرت به من جرهم رفقة؛ فرأوا ما لم يكونوا يعهدونه وأخبرتهم هاجر بنسب الصبي وحاله، وما أمر الله أباه فيه وفيها، فتبركوا بالمكان ونزلوه وضموا إليهم إسماعيل فنشأ معهم ومع ولدانهم ثم أنكحوه فتكلم بلسانهم فقيل نطق بالعربية إلا أن الياء زيدت في الاسم فحذفت في النسب، كما تحذف أشياء من الزوائد وغير كما تغير أشياء عن أصولها، والدليل على أن أصل اللسان لليمن أنهم يقال لهم «العرب العاربة» ويقال لغيرهم «العرب المتعربة» يراد الداخلة في العرب المتعلمة منهم، وكذلك معنى التفعل في اللغة يقال: تنزر الرجل إذا دخل في نزار، وتمضر إذا دخل في مضر، وتقيس إذا دخل في قيس، وقال الشاعر: