فتبيت تسئد مسئدا في نيها
إسآدها في المهمه الإنضاء
ويقول في المدح:
أنى يكون أبا البرية آدم
وأبوك والثقلان أنت محمد
ويقول في بيت آخر من قصيدة أخرى يمدح بها، والبيت لا يتعلق بشيء مما قبله - فيما يظهر - ولا فيما بعده بشيء:
كأنك ما جاودت من بان جوده
عليك ولا قاومت من لم تقاوم
ومثل هذا كثير، وهذه الأجناس من أبيات، وإن ظهرت معانيها بعد استقصاء، وأطاعت غوامضها بعد استعصاء، فهي مذمومة السلك وإن اطلعت منها على أجزل الإفادة، فكيف إذا حصلت منها على السلامة بلا زيادة؟! وكان أيضا يغفل عن إصلاح أشياء من كلامه على قرب ذلك الإصلاح من الفهم، مثل قوله يرثي أخت سيف الدولة:
يا أخت خير أخ يا بنت خير أب
كناية بهما عن أشرف النسب
فجعل يا أخت خير، وبنت خير كناية عن أشرف النسب، والكناية لا تكون إلا لعلل تتسع فيها التهم؛ لأن الكناية ستر وتعمية، فما بال شرف النسب يورى عنه تورية المعايب، ويكنى عنه والتصريح به من المفاخر والمناقب، وقد غفل عن إصلاح هذا بلفظ فصيح ومعنى صحيح، قد كاد يبرز زمن الجنان، إلى طرف اللسان، وهو لو فطن إليه:
يا أخت خير أخ يا بنت خير أب
غنى بهذا وذا عن أشرف النسب
قال أبو الريان: هذه الجملة التي أثبت لك فيها ما دخل على الشعراء المجيدين من التقصير والغفلة والغلط، وغير ذلك؛ كافية ومغنية عن إيراد سوى ذلك، وإن لقيتها بجودة بحث وصحة قياس، لم تحتج إلى كشف عيوب أشعار الناس، ولعل قائلا يقول: مال على هؤلاء وترك سواهم لميله على من بكت، ولتفضيله من عنه سكت، فقل لمن قال ذلك، الأمر على خلاف ما ظننت لم أذكر إلا الأفضل فالأفضل، والأشهر فالأشهر، إذا كانت أشعارهم هي المروية، فالحجة بهم وعليهم هي القوية، فقد نقلته على من ميلي عليهم، إلى ميلي بالحق إليهم.
قال أبو الريان: فأما نقد المستحسن فتمثيله لك يعظم ويتسع لكثرته، فلا يسعنا إيراده، ولكن ما سلم من جميع ما أوردناه فهو في حيز السالم، ثم تتسع طبقات الجودة فيه، وأحسن منه ما اعتدل مبناه، وأغرب معناه، وزاد في محمودات الشعر على سواه، ثم يمدح الأدون فالأدون بمقدار انحطاطه إلى حيز السلامة، ثم لا مدح ولا كرامة.
قال محمد فقلت: لله درك يا أبا الريان فما ألين جانبك! وما أقرب غائبك! وما ألحح طالبك! وما أسعد صاحبك! فقال: أنجح الله مطالبك، وقضى مآربك، وصفى من القذى مشاربك، وبث في الحواضر والبوادي مناقبك.
تمت المقامة المعروفة بمسائل الانتقاد
بلطف الفهم والاقتصاد
والحمد لله أولا وآخرا، وصلاته على نبيه سيدنا محمد وآله وسلامه.
القسم السابع
| كتاب العرب
أو الرد على الشعوبية، محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة، من أهل القرن الخامس الهجري
| كتاب العرب
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليما، قال أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة: جعلنا الله وإياك على النعم شاكرين، وعند المحن والبلوى صابرين، وبالقسم من عطائه راضين، وأعاذنا من فتنة العصبية وحمية الجاهلية وتحامل الشعوبية؛ فإنه بفرط الحسد وبغل الصدر تدفع العرب عن كل فضيلة، وتلحق بها كل رذيلة، وتغلو في القول، وتسرف في الذم، وتبهت بالكذب وتكابر العيان، وتكاد تكفر ثم يمنعها خوف السيف وتغص من النبي
صلى الله عليه وسلم
إذا ذكر بالشجا، وتطرف منه على القذى، وتبعد من الله بقدر بعدها ممن قرب واصطفى.
وفي الإفراط الهلكة، وفي الغلو البوار، والحسد هو الداء العياء، أول ذنب عصي الله به في الأرض والسماء، ومن تبين أمر الحسد بعدل النظر أوجب سخطه على واهب النعمة وعداوته لمؤتي الفضيلة؛ لأن الله تعالى يقول:
نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا (الزخرف: 32) فهو - تبارك وتعالى - باسط الرزق وقاسم الحظوظ والمبتدي بالعطا، والمحسود آخذ ما أعطي وجار إلى غاية ما أجري.