تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال ابن مسعود: لا تعادوا نعم الله! قيل: ومن يعادي نعم الله؟ قال: حاسد الناس وفي بعض الكتب يقول الله: الحاسد عدو لنعمتي متسخط لقضائي، غير راض بقسمي.

قال ابن المقفع: الحاسد لا يبرح زاريا على نعمة الله لا يجد لها مزالا، ويكدر على نفسه ما به، فلا يجد لها طعما، ولا يزال ساخطا على من لا يتراضاه، ومتسخطا لما لا ينال فوقه، فهو مكظوم هلع جزوع، ظالم أشبه شيء بمظلوم، محروم الطلبة منغص المعيشة دائم السخطة، لا بما قسم له يقنع، ولا على ما لم يقسم له يغلب، والمحسود يتقلب في فضل الله مباشر للسرور، ممهلا فيه إلى مدة لا يقدر الناس لها على قطع وانتقاض، ولو صبر الحسود على ما به وضمر لجرنه كان خيرا له؛ لأنه كلما هر خسأه الله، وكلما نبح قذف بحجره، وكلما أراد أن يطفئ نور الله أعلاه الله

ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون (التوبة: 32)، ولله در القائل:

وإذا أراد الله نشر فضيلة

يوما أتاح لها لسان حسود

لولا اشتعال النار فيما جاورت

ما كان يعرف طيب عرف العود

ولم أر في هذه الشعوبية أرسخ عداوة ولا أشد نصبا للعرب من السفلة والحشوة وأوباش النبط وأبناء أكرة القرى، فأما أشراف العجم وذوو الأخطار منهم وأهل الديانة فيعرفون ما لهم وما عليهم، ويرون الشرف نسبا ثابتا.

وقال رجل منهم لرجل من العرب: إن الشرف نسيب، والشريف من كل قوم نسب الشريف من كل قوم، وإنما لهجت السفلة منهم بذم العرب؛ لأن منهم قوما تحلوا بحلية الأدب فجالسوا الأشراف، وقوما اتسموا بميسم الكتابة، فقربوا من السلطان، فدخلتهم الأنفة لآدابهم والغضاضة لأقدارهم من لؤم مغارسهم، وخبث عناصرهم، فمنهم من ألحق نفسه بأشراف العجم، واعتزى إلى ملوكهم وأساورتهم ودخل في باب فسيح لا حجاب عليه، ونسب واسع لا مدافع عنه، ومنهم من أقام على خساسة ينافح عن لؤمه ويدعي الشرف للعجم كلها؛ ليكون من ذوي الشرف، ويظهر بغض العرب، ينتقصها ويستفرغ مجهوده في مشاتمها، وإظهار مثالبها، وتحريف الكلم في مناقبها، وبلسانها نطق وبهممها أنف وبآدابها تسلح عليها؛ فإن هو عرف خيرا ستره، وإن ظهر حقره، وإن احتمل التأويلات صرفه إلى أقبحها، وإن سمع سوءا نشره، وإن لم يسمعه نفر عنه، وإن لم يجده تخرصه، فهو كما قال القائل:

إن يعلموا الخير يخفوه وإن علموا

شرا أذيع وإن لم يعلموا بهتوا

ومن ذا - رحمك الله - صفا فلم يكن له عيب، وخلص فلم يكن فيه شوب.

وقيل لبعض الحكماء: هل من أحد ليس فيه عيب؟! فقال: لا لأن الذي ليس فيه عيب هو الذي لا يموت، وعائب الناس يعيبهم بفضل عيبه، وينتقصهم بحسب نقصه، ويذيع عوراتهم ليكونوا شركاءه في عورته، ولا شيء أحب للفاسق من زلة العالم، ولا إلى الخامل من عثرة الشريف، قال الشاعر:

ويأخذ عيب الناس من عيب نفسه

مراد لعمري إن أردت قريب

وقال آخر:

وأجرأ من رأيت بظهر غيب

على عيب الرجال ذوو العيوب

وقد كان زياد بن أبي سفيان حين كثر طعن الناس عليه وعلى معاوية في استلحاقه عمل كتابا في المثالب لولده وقال: من غيركم فقرعوه بمنقصته، ومن ندد عليكم فابدهوه بمثلبته؛ فإن الشر بالشر يتقى، والحديد بالحديد يفلح.

وكان أبو عبيدة معمر بن المثنى أغرى الناس بمشاتم الناس، وألهجهم بمثالب العرب، وحاله في نسبه وأبيه الأقرب إليه حال نكره أن نذكرها فنكون كمن أمر ولم يأتمر، وزجر عن القبيح ولم يزدجر، وهي مشهورة ولكن كرهنا أن تدون في الكتب وتخلد على الدهر، ولا سيما وهو رجل يحمل عنه العلم ويحتج بقوله في القرآن، ومن أتعب قلبا وأنصب فكرا ممن أراد أن يجعل الحسنة سيئة، والمنقبة مثلبة، ويحتاج لإخراج الباطل في صورة الحق؛ فيقصد من المناقب لمثل قوس حاجب يضحك منها ويزري بها، ويذهب في ذلك إلى خساسة العود وقلة ثمنه، وهذا لو كان على مذاهب التجار والسوق في الرهون والمعاملات لرجع بالعيب على الآخذ لا على الدافع؛ لأن الدافع لا يألو أن يدفع أحقر ما يجد في أكثر ما يأخذ، والمغبون من غر بالصغير عن الكبير، وإنما رهن عن العرب بما ضمنه عنها، من كف الأذى عن مملكته حتى يحيوا وتنكشف عنهم ألسنة. ولو كان مكان القوس مائة ألف رأس من الغنم عن هذا السبب ما كان القوس إلا أحسن بالدافع والقابل؛ لأن سلاح الرجل هي عزه وشرفه، وإسلام المال أحسن من إسلام العز والشرف، وقد يدفع الرجل خاتمه وبرده أو رداءه عن الأمر العظيم فلا يسلمه خوفا من السبة وأنفة من العار.

رسائل البلغاء · الصفحة ١٠٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

رسائل البلغاءص ١٠٥