تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإن كنت لا خلا ولا أنت زوجة

فلا برحت منا عليك ستور

وجاورت قوما لا تزاور بينهم

ولا قرب إلا أن يكون نشور

فلم أسمع بأوحش من هذا النسيب، ولا أخشن من هذا التشبيب، وذلك قوله: إن لم تكوني لي زوجة ولا صديقة فلا برحت منا ستور للتراب عليك، ولا كان جارك ما عشنا نحن إلا الموتى الذين لا يتزاورون ولا يتواصلون إلى يوم النشور، على أن كلامه يشهد عليه بأنه شاك، وإنما المعروف في أهل الرقة والظرف، والمعهود من أهل الوفاء والعطف، أن يفدوا أحبابهم بالنفوس، من كل مكروه وبؤس، فأين ذهبت ولادته البصرية وآدابه البغدادية، حتى اختار الغدر على الوفاء، وبلغت طباعه إلى إجفاء الجفاء، فاعلم هذا وإياك أن تعمل به.

قال: ومن عيوب الشعر السرق، وهو كثير الأجناس، في شعر الناس؛ فمنها سرقة ألفاظ، ومنها سرقة معان، وسرقة المعاني أكثر؛ لأنها أخفى من الألفاظ، ومنها سرقة المعنى كله، ومنها سرقة البعض، ومنها مسروق باختصار في اللفظ وزيادة في المعنى وهو أحسن المسروقات، ومنها مسروق بزيادة ألفاظ وقصور عن المعنى وهو أقبحها، ومنها سرقة محضة بلا زيادة ولا نقص والفضل في ذلك للمسروق منه ولا شيء للسارق؛ كسرقة أبي نواس في هذه القصيدة التي ذكرنا معنى أبي الشيص بكماله، قال أبو الشيص:

وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي

متأخر عنه ولا متقدم

فسرقه الحسن بكماله. فقال:

فما جازه جود ولا حل دونه

ولكن يصير الجود حيث يصير

فهذا هذا على أن بيت أبي الشيص أحلى وأطبع ومع حلاوته جزالة، وقد ذكر عن الحسن أنه قال: ما زلت أحسد أبا الشيص على هذا البيت حتى أخذته منه، وسرقة المعاصر سقوط همة، وبهذه القصيدة يناضل أصحاب الحسن عنه ويخاصمون خصماء مقرين بأن ليس له أفضل منها، ولا لهم إلى سوى هذه القصيدة معدل عنها، فقس بفهمك وأعمل فكرك على ما وصفناه من أبواب السرق ما وجدته في أشعار لم أذكرها يظهر لك جميع ما وصفناه، ويبدو لك جميع ما رسمناه قال: ومما يقع في عيوب الشعر ويغفل الشاعر عنه، ويجوزه الأمر فيه لصغر جرم العيب وسلامة اللفظ الذي احتبى فيه، ثم يكون ذلك سبب غفلة النقاد أيضا عنه مثل قول المتنبي:

كفى بك داء أن ترى الموت شافيا

فضع هذا الكلام على أنه إنما شكا داءه ووصفه بالعظم فعاد شاكيا نفسه، وجعلها أعظم الداء؛ لأنه أراد كفى بدائك داء فغلط . وقال: كفى بك داء، فصار كفى بالسلامة داء، فالسلامة هي الداء يريد طول البقاء سبب للفناء. وقال الله تعالى:

وكفى بنا حاسبين (الأنبياء: 47)، فالله هو أعظم شهيد، فجعل المتنبي نفسه أعظم الداء ولم يرد إلا استعظام دائه وإصلاح هذا الفساد، وبلوغه إلى المراد أن يقول:

كفى بالمنايا أن تكن أمانيا

وحسبك داء أن ترى الموت شافيا

فيعود الداء المستعظم كما أراد، وتزول خشونة ابتدائه، وشدة جفائه، إذا خاطب الممدوح بالكاف فجعله داء عظيما في أول كلمة سمعها منه، وقد تأدب خواص الناس وكثير من عوامهم في مثال هذا المكان؛ فهم يقولون عند مخاطبات بعضهم بعضا بما يخشن ذكره قلت للأبعد ويا كذا الأبعد.

ومن عيوب هذا القسم أيضا أن قائله قصد إلى سلطان جديد، وإلى مكان يحتاج فيه إلى التعظيم والتفخيم، وقد صدر عن ملك نوه به، أعني: سيف الدولة، وأغناه بعد فقره، وشرفه ورفعه، وأدنى موضعه، فورد على كافور هذا في مرتبة شريفة، وخطة منيفة، فجعل بجهله يصفه في أول بيت لقيه به أنه في حالة لا يرى منها المنية، أو يرى المنية أعظم أمنية، وعلى كافور بذكائه ووصول أخبار الناس إليه أنه في حالة خلاف ما قال وأنه كفر النعمة من المنعم عليه، وأراه أن جميع ما عامله به من الجاه الواسع، والغنى القاطع حقير لديه، صغير في عينيه، فعلم كافور في هذا الوقت أنه ممن لا تزكو لديه الصنيعة وإن عظمت، ولا تكبر في عينيه المواهب وإن جسمت، ولم يكن في خلق كافور من الصبر على اتساع البذل، ولا من الرغبة في أهل الآداب والفضل ما عند سيف الدولة من ذلك فزهد فيه بعد رغبة وعلله بالقليل، وشاوقه بالجزيل، ورأى المتنبي أن الأسود ليس له في قلبه من الحب والقرب ما له عند سيف الدولة، فلم يدل عليه ولا كثر من التعتب والعتاب ما يعطفه عليه فأضاع وضاع. وكان يتوقع الإيقاع، ولكفران النعم نقم، ثم نجاه ركوب ظهر الهرب، وأقبل يعترف لسيف الدولة بالذنوب. وكان لحنه وشعره شريفين، وعقله ودينه ضعيفين، ومع ذلك فسقطاته كثيرة إلا أن محاسنه أكثر وأوفر، والمرء يعجز لا محالة، وكان يميل إلى تعقيد الكلام، ويعتمد على علمه بقبحه فيقول من ذلك ما يصف به ناقته:

رسائل البلغاء · الصفحة ١٠٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

رسائل البلغاءص ١٠٣