تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال المؤرخ: والسبب الذي دعا ابن عبد الوهاب إلى الخروج من بلدة العينية بعد أن كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، أن امرأة من أهل تلك البلدة عرفت بسوء، فأقرت على نفسها وتكرر ذلك منها، فأعرض الشيخ عنها، ثم أقرت وعادت إلى الإقرار مرارا، فسأل عن عقلها، فأخبر بتمامه وصحته، فأمهلها أياما؛ رجاء أن ترجع عن الإقرار إلى الإنكار، فأقرت أربع مرات فأمر برجمها، فشدت عليها ثيابها لترجم بالحجارة على الوجه المشروع، فخرج الأمير عثمان وجماعة فرجموها حتى ماتت، فلما طار هذا الخبر كثر لغط أهل البدع، وطارت قلوبهم شعاعا، فلما أعياهم رد ما قاله من تلك المسائل عدلوا إلى ردها بالمكر والحيلة، فشكوه إلى شيخهم فأغروه به، فطلب إلى الأمير عثمان يأمره بقتله أو إجلائه عن وطنه، فأمر هذا الأمير الشيخ بالخروج فجاء الدرعية، فلما سمع الأمير محمد بن سعود بقدومه، أسرع إليه مسلما عليه فلطف منه محله وأخبره بأن يمنعه بما يمنع به نساءه وأولاده من جميع من عاداه، وطلب إلى الشيخ ألا يرحل عن بلده، وكان هذا الأمير معروفا في جاهليته بحسن السيرة، فعاهده الشيخ على عدم الخروج، وقام يدعو الناس إلى التوحيد وآزره وزراء الأمير وأعوانه وإخوانه من أهل الدرعية، وذلك في حدود سنة 1157ه، وبقي الشيخ سنتين يناصح الناس، وهاجر إلى الدرعية خلق كثير بينهم زمرة من أهل البيوتات ، وسنة 1206ه توفي الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وحاله من العبادة في الصلاة والصيام مشهورة، يتلو القرآن أبدا ويحيي غالب الليل بالقيام والتأني في تنفيذ الأحكام من كتب الأئمة الأربعة المقلدة، وكان يجبى إليه المال من جميع بلدان المسلمين، فيتفرقه عليهم في طريقة من الزهد مرضية، وكان متكففا من ذلك المال، لا يأكل منه إلا بالمعروف، وكان سمحا كريما لا يرد سائلا، ومات ولم يخلف دينارا ولا درهما، وكان عليه دين كثير وفي عنه.

وذكر ابن غنام في تاريخه أيضا غزوات أتباع ابن عبد الوهاب مع من جاورهم من القبائل والبلدان، وكلها دائرة على بث دعوة واحتياز مغنم ومقابلة شر بمثله أخبار متشابهة، كان يجري مثلها في تلك الأصقاع، ويظهر للمتأمل أن معظم تلك الحروب التي جرت على عهد ابن عبد الوهاب كانت للدين، فلما مات عادت المطامع إلى مجراها السابق، والغالب أن الأمير النجدي وابنه اللذين عملا بمشورة الشيخ طول حياته، قاما ببث دعوته بين الأمراء المجاورين بعد أن اشتدت شكيمتهما.

ومن طالع هذا التاريخ وعرف حال الشيخ محمد بن عبد الوهاب لا يلبث أن يقع في ذهنه أن كل تاريخ هذه الطائفة قتل وقتال وقيل وقال. نعم، إن الأمر على ما يقول؛ فقد ذكر لي أحد عقلاء النجديين يوما ما معناه: يعاب على قومنا شيئان مهمان: أحدهما الفتن التي ما فتئت يثور ثائرها بين أظهرنا، والدماء التي تهراق من رفيعنا ووضيعنا، وإن تكن غارات اليوم بين ابن سعود وابن الرشيد مثلا ليست كغارات أمس - تفرد السلطان عبد العزيز بن سعود منذ بضع سنين بحكم نجد كلها - المذكورة في تاريخ ابن غنام، فإن تلك كانت لنشر كلمة التوحيد بين أولئك الأعراب الجفاة، وهذه تدعو إليها المطامع - وثانيهما انقسام الناس في نجد إلى قبيلين، قبيل يقال له الخضيرية، وآخر يقال له قبيلية أو شيوخ، فالأول في حل من تعاطي الصناعات كلها، والثاني لا يجوز له تعاطيها؛ لأن ذلك يعد شينا عليهم وعرة في وجوه أنسابهم، فيقتصرون على التجارة والفلاحة، وإذا تعاطى أحد الشيوخ، وبعبارة ثانية الأشراف صناعة ما، وكان في الأصل شريفا يسقط عندهم شرفه، ويمسي معدودا من الطبقة النازلة طبقة الصناع والأجراء في بلاده طبقة الخضيرية، وإذا تزوج أحد الشيوخ من بني خضير؛ أي صاحب الشرف من فاقده، وكان للشريف عصبة يستحلون قتله مدعين أنه أسقط شرفهم. قلت له: وأنا أعيب عليكم أمرا ثالثا، ولطالما ذاكرتكم به وهو جمودكم على حالة واحدة في العلم، وتحريمكم مطالعة كتب لا تخلو مطالعتها من إنارة عقولكم، ووقوفكم عند حد البحث في الدين دون الالتفات إلى ما لا بد منه من علوم الدنيا، وما يخيل إلي إلا أن رجالكم الذين يأتون الأمصار عارفون ما تمس إليه حاجة بني نحلتهم من العلوم والصنائع، وما ينقصهم من المتممات التي لا أثر لها في باديتكم، أما انقسام الناس في نجد إلى فئتين فليس بالأمر الجديد، فإن الرومان كانوا كذلك، بل كان أشراف أسلافكم العرب الخلص يرون الصنائع مضيعة لشرفهم، ويعتدون في الغزو والغارة شرفهم الوحيد.

القديم والحديث · الصفحة ٨٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

القديم والحديثص ٨٧