هذا ما لقفناه من تاريخ الإحسائي في أتباع محمد بن عبد الوهاب وهم الحنابلة بعينهم، وما ابن عبد الوهاب إلا داعية هداهم من الضلال، وساقهم إلى الدين السمح، وإذا بدت شدة من بعضهم فهي ناشئة من نشأة البادية، وقلما رأينا شعبا من أهل الإسلام يغلب عليه التدين والصدق والإخلاص مثل هؤلاء القوم، وقد اختبرنا عامتهم وخاصتهم سنين طويلة، فلم نرهم حادوا عن الإسلام قيد غلوة، أما الغزوات التي يغزونها فهي سياسية محضة، ومذهبهم برئ منها، وما يتهمهم به أعداؤهم زور لا أصل له والله أعلم.
| دولة الأدب في حلب1 على عهد سيف الدولة بن حمدان
لكل قرن من قرون العز في العرب نابغة أو نوابغ من الملوك والأمراء، ومثلهم من العلماء والأدباء، وقد امتاز القرن الرابع في الشام - وإذا قلنا الشام عنينا هذا القطر المحبوب الممتد من العريش إلى الفرات، ومن جبال طورس إلى البادية على نحو ما كان يعرفه العرب - بقيام بني حمدان فيه، ورئيسهم سيف الدولة بن حمدان استولى على القسم الشمالي منه، والدولة العباسية قد أخذت تتناوشها ملوك الأطراف، وأمراؤها في العراق ومصر والشام والجزيرة، وأخذت دولة الخلافة بالضعف بصنع بعض الخوارج، ومنهم من كان ينازعها السلطة علنا، ومنهم من كان يشاركها فيها، ويخضع لها في الصورة الظاهرة، وبنو حمدان كانوا من هذا النوع الأخير.
أصل بني حمدان بطن من بني تغلب بن وائل من العدنانية، وهم بنو حمدان بن حمدان، كانوا ملوك الموصل والجزيرة وحلب في أيام المقتفي بالله العباسي، وأول من ملك منهم أبو الهيجاء عبد الله بن حمدان، ثم أخوه إبراهيم بن حمدان، ثم أخوه سعيد ونصر أبناء حمدان، ثم استولى على الشام وحلب معين الدولة علي بن أبي الهيجاء بن حمدان، ثم لؤلؤ مولى سعد الدولة بن حمدان، ثم غلبه على ذلك صالح بن مرداس أمير بني كلاب وانتزعه منه في سنة 402ه.
كان للقبائل سلطان في هذه الديار، وأي سلطان؛ لأن البادية خلقوا رجال حرب وغزو أكثر من الحضر؛ لذلك كان العرب قبل الإسلام بخمسة أو ستة قرون يحكمون هذه الديار، أو يغيرون على المعمور منها، أو ينزلون في صقع معين منها فيبنون المصانع، ويغتنون كما يغتني أهل الحضر ويعيشون عيشهم، ومن هؤلاء العرب من كان لهم قبل الهجرة وبعدها مدنية رائعة مثل النبطين في الجنوب، وهم عرب تعزى إليهم آثار البتراء، أو وادي موسى، وآثار جرش في عجلون، ومثل الغسانيين في حوران، والصفا، واللجاة، ودمشق، وحمص وغيرها، ومثل التنوخيين في أرجاء حلب، ومثل بني لخم وجذام، وكلب، وكلاب، وتميم وطي، وسليم، وعاملة، والضجاعم وغيرها من قبائل العرب التي نزلت الشام، فكانت عرضة كل حين لاستيلاء البادية عليها؛ لأن أهلها أشد مراسا وأجرأ على القتال يوم النزال؛ ولأن سلاح المدن والبوادي كان واحدا إذ ذاك، وهذا ما حدا بدولة الرومان لما أضافت هذه الديار إلى مملكتها أن تنشئ على سيف البادية مخافر كثيرة؛ ليأمن المعمور عيث البادية، ومن جملة الدواعي إلى استيلاء الحمدانيين على حلب طمع العرب فيها، وغزوهم لها المرة بعد المرة، ففي سنة 292ه ولى المكتفي أبا الحسن ذكا بن عبد الله الأعور حلب، ودام بها إلى سنة 302، فعاثت بنو تميم في أيامه في حلب، وأفسدت فسادا عظيما وحاصروا ذكا بحلب، فكتب المقتدر إلى الحسين بن حمدان في إنجاد ذكا بحلب، فأسرى من الرحبة حتى أناخ عليهم بخناصرة وأسر منهم جماعة، وقامت على الحسين بن حمدان العرب من كلب، واليمن، والنمر، وأسد وغيرهم فاجتمعوا بنواحي حلب، فخرج للقائهم سنة 294 فهزموه حتى بلغوا به باب حلب.
تبعت الشام مصر في حكومتها سنة 325، فأقام محمد الإخشيد واليا على حلب أحمد بن سعيد الكلابي شيخ قبيلة بني كلاب، فكثر الكلابيون إذ ذاك، وأقطع الخليفة العباسي الشام لمحمد بن رائق على أن يستخلصه من الإخشيدية الذين خلعوا طاعته، فطرد ابن رائق وقاتل الإخشيدية فاستولى على دمشق.