تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واختلفت الأقوال في عدد المنتحلين لهذا المذهب في نجد، ويقول شمس الدين سامي - صاحب قاموس الأعلام - إن عددهم قد يرقى إلى ثلاثة ملايين نسمة في نجد، أما مسافة هذه الكورة فيقطعها الراكب على متون المطايا في عشرين يوما عرضا، وثلاثين يوما طولا، وأخبرني أحد الثقات الأثبات أن دعوة الوهابية تنتشر في الهند خصوصا في الأعوام الأخيرة. •••

ويؤخذ مما ذكره حسين بن غنام الإحسائي

2

في كتابه روضة الأفكار والأفهام، لمرتاد حال الإمام، وتعداد غزوات ذوي الإسلام، أن الناس في نجد قبل قيام محمد بن عبد الوهاب كانوا إلى الشرك الخفي والظاهر، وقد وصف المقامات التي نذروها لها، والشيوخ الذين اعتقدوا فيهم، وانتقل إلى «بلدان مصر وصعيدها، وما فيها من الأمور التي ينزه اللسان عن ذكرها وتعديدها، خصوصا عند قبور الصلحاء والعباد من ساداتها وعبيدها بها.»

وذكر ما يفعل من هذا القبيل في بلدان اليمن، وقال: إن حلب ودمشق، وأقصى الشام والموصل، وبلاد الأكراد والعراق، وبغداد، والبصرة، وقرى السلط، والقطيف، والبحرين، وغيرها من بلاد العرب كلها واقعة في هذا، واستشهد بقصيدة للأمير محمد بن إسماعيل الصنعاني، وكان مشهورا بالعلم والفهم، قال واصفا ما سرى من البدع:

طفي الماء من بحر ابتداعا على الورى

فلم ينج منهم مركب وركاب

وطوفان نوح كان في الفلك أهله

فنجاهم والغارقون ثباب

فأنى لنا فلك ينجى وليته

يطير بنا عما نراه غراب

وأين إلى أين المطار وكلما

على ظهرها يأتيك منه عجاب

ترى الدين مثل الشاة قد وثبت له

ذئاب وما عنه لهن ذهاب

لقد مزقته بعد كل ممزق

فلم يبق منه جثة وإهاب

وليس اغتراب الدين إلا كما ترى

فهل بعد هذا الاغتراب إياب

فيا غربة هل يرتجى منه أوبة

فيجر من هذا البعاد مصاب

فلم يبق للراجي سلامة دينه

سوى عزلة فيها الجليس كتاب

واستشهد له بقصيدة أخرى قال فيها:

ويعمر أركان الشريعة هادما

مشاهد ضل الناس فيها عن الرشد

أعادوا بها معنى سواع ومثله

يغوث وود بئس ذلك من ود

وقد هتفوا عند الشدائد باسمها

كما يهتف المضطر بالصمد الفرد

وكم عقروا في سوحها من عقيرة

أهلت لغير الله جهرا على عمد •••

علام جعلتم أيها الناس ديننا

لأربعة لا شك في فضلهم عندي

هموا علماء الدين شرقا ومغربا

ونور عيون الفضل والحق والزهد

ولكنهم كالناس ليس كلامهم

دليلا ولا تقليدهم في غد يجدي

ولا زعموا حاشاهمو أن قولهم

دليل فيستهدي به كل مستهدي

بل صرحوا أنا نقابل قولهم

إذا خالف المنصوص بالقدح والرد

وترجم المؤلف شيخ الإسلام ابن عبد الوهاب بما لم يخرج عما تقدم من ترجمته آنفا، ومما قاله: إنه كان أكثر لبثه لأخذ العلم بالبصرة، وأخذ في بث الدعوة، ثم سكن حريملا مع والده، مثابرا على دعوته، تاركا ما سلكه علماء السوء، فانتظم في سلكه عصابة اتخذوه جليسا، واتبعوا طريقته فقرءوا عليه كتب الحديث والفقه، واشتهر في بلدان العارض من حريملا والعينية، والدرعية، والرياض، ومنفوحة، وانحاز لدعوته جم غفير، وأقام في حريملا سنين، واهتدى به أحد الأمراء عثمان بن معمر في العينية، فأقام بها وساعده الأمير على الإرشاد فبدأ يعظم أمره ففشا الدين في بلدان العارض، فأمر الشيخ الأمير بهدم القباب، والمساجد المبنية على قبور الصحابة، وقطع الأشجار التي كان ينتابها الناس للتبرك وعدلت على السنن المشروعة، فأنكر عليه ذلك وحكوا بكفره واستحلال دمه وماله، وتقول بعضهم عليه ووشوا به إلى علماء الإحساء والبصرة والحرمين، وأفتوا الحكام بأنه أقبح الضلال والفساق وأشر الخوارج، وحسبوا أنهم إذا حرشوا عليه الحكام يجدون في قتله، فصنفوا المصنفات في تبديعه وتضليله، وقالوا: إنه مغير السنة والأحكام؛ يقصد تنفير الخواص والعوام ليشاقوا الولاة فيعصوهم، ولما تظاهر الشيخ بالدعوة والناس قد أشربت محبة المعاصي قلوبهم لم يكفر أولئك العربان وتوقف تورعا حتى تألبوا عليه وكفروه وجماعته، ولم يأمر بسفك دم أكثر أهل الأهواء، حتى حكموا عليه وأصحابه بالقتل والتكفير، ومع ما كان ينقل إليه من الأذى لم يكترث بهم، وكان يتضرع إلى مولاه أن يشرح للحق صدورهم، ولم يعامل أحدا بالإساءة بعد القدرة عليه، ولما وفدوا عليه ومثلوا بين يديه، لم يوبخ أحدا منهم، وأسدى إليهم معروفه وتجاوز عما فعلوه، فعل به أعداؤه ذلك، وأكثرهم معترف أن ما أتى به هو الحق والصواب، ولكن خشوا أن تسلب رئاستهم ودنياهم، توفي صاحب الدعوة وله من العمر قريب من اثنين وتسعين سنة، كان في خلالها مستمرا في تحصيل نافع الزاد، وصنف مصنفات كثيرة منها «كتاب التوحيد»، ورسالة عامة للمسلمين تسمى «كشف الشبهات» جوابا لشبههم التي أدلوا بها فيها خلاصة دعوته، ولباب علمه وكتب رسائل كثيرة في حث مجاوريه على الأخذ بما ارتآه والرد على خصومه، قال من جملة جواب له: إن تعليق التمائم من الشرك، وكتب الطلاسم في الحجب هي من السحر، والسحر يكفر صاحبه، وإن من دعا نبيا، أو صحابيا، أو وليا مثل أن يقول يا سيدي فلان انصرني وأغثني كافر بالإجماع، وأنكر التذكير، وقال: إنه من البدع، وذكر السيوطي في الأوائل أن أول ما حدث التذكير يوم الجمعة ليتهيأ الناس بصلاتها بعد السبعمائة في زمن الناصر بن قلاوون.

القديم والحديث · الصفحة ٨٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

القديم والحديثص ٨٦