وكان الأخوان دوبين المحاميان يرتجلان، ولكنهما يدرسان موضوعهما حق الدرس قبل النزول إلى ميدان الخطابة، وكان أحدهما يأسف؛ لأن الوقت لا يساعده أن يفكر مليا في خطابه، ويقول لو أكثر ديموستين وشيشرون من الدفاع كثيرا، لقلنا لم يكونا ديموستين ولا شيشرون، وكان تيرس يعد معظم خطبه من قبل بأن يلقيها مرتين وأحيانا أربعا على من يغشون مجلسه، ولم يكن فيكتور هوغو الشاعر الكبير خطيبا، بل كان يضطر أن يكتب خطبه ويستظهرها، ولطالما قال: لا يستطيع المرء أن يكون خطيبا حقا إلا إذا كتب خطابه. زهد المحامي لاشو في الكتابة، وكان لا يقيد إلا رءوس المسائل التي يتكلم فيها، وكان الوزير غامبتا لا يكتب ما يخطب وهو يشبه نابليون بعقله وذاكرته، وكان يعد بعض خطبه الأولى من قبل، فلما نشبت الحرب أخذ يرتجل حقيقة، وكان في خطبه يبدأ بصوت منخفض جدا، حتى يكاد يقول له الحضور اسكت، وبعد هنيهة ترن القاعة من صوته، وتدهش لفضل بيانه، وكان المحامي ليون دوفال يعد خطبه من قبل، محتفلا بها من وراء الغاية، وكان الدوج دي بروكلي يتأنق في إعداد خطبه، ولكنه يستطيع أن يرتجل على أيسر وجه، وكان بوفه مرتجلا يؤثر بفصاحته في مجلس الشيوخ في مسائل كثيرة، وإن كان عضوا من حزب قليل في الوزراء، وكتب المحامي الإيطالي هنريكوفري عن نفسه فقال: إنه تعلم بأن كان يقصد الضواحي ويرفع صوته، ويجرب نفسه بالخطابة حتى خطب مرة ثماني ساعات متوالية ومرة إحدى عشرة ساعة. •••
ونشر آجام عادات طائفة من الأساتذة والمحاضرين من العلماء في الخطابة من الفرنسيس، فكان منهم أناس يفكرون مليا قبل أن يخطبوا؛ أي إنهم يعدون الكلام أو معناه، ومنهم من يكتب ما يريد قبل إلقائه وآخرون يرتجلون، والأكثر في هذه الفئة الكتابة قبل الإلقاء؛ لأن خطبهم علمية على الأغلب، ولا يرتجل عادة سوى السياسيين. وعلى من أحب أن يجودها أن يخطب لنفسه في متنزه، أو قاعة خاصة مرة، أو عشر مرات ريثما يستجم قريحته، ولا تخونه الألفاظ، وكل مرة في الموضوع الواحد تزيد معانيه وتغزر ألفاظه، ويجب ألا يهتم لانتقائها والتنطع فيها، بل يكتفي بما جاءه عفو الخاطر وابن الساعة.
وقد سأل المؤلف كثيرين من المشتهرين بالخطابة من قومه المبرزين فيها عن طرقهم في تعلمهم وارتجالهم، فمنهم من قال: إنه يفكر مليا في محاضراته بأن يقولها بصوت منخفض أولا، وأحيانا يقولها في عقله، وإنه لا يكتب كتابا صغيرا قبل أن ينشئه في عقله، ويستظهر الجمل الأربع الأولى حتى لا يفاجئه الحضور إذا مثل أمامهم، ومنهم من تحضره الأفكار إذا أمسك القلم وقيدها، ولكنه يحاذر استظهاره، وهو يرى أن من يكتب محاضرته وخطابه يتعلم الارتجال مع الزمن، ومنهم من تتمثل لعينيه المعاني والألفاظ عندما يشرع في الكلام كأنها مكتوبة أمام عينيه، ومنهم من ينظم الأفكار التي يحاضر بها على الورق، ثم يرتجل ويستعد قبل الكلام أن يقول في ذاته ما يجب إلقاءه على الجمهور مرة أو مرتين، وقال: إنه بكتابته خطابه من قبل يسقط على الأفكار التي لا تجيئه بصورة أخرى، ومنهم من قال: إن خير طريقة لاستظهار ما يريد إلقاءه أن يكتب تلك القطعة، ومنهم وهو أستاذ عظيم يعد موضوعه أولا، ثم يعين في عقله أفكاره، ثم يخط لها خطة، ثم يفكر في البراهين التي عثر عليها ونظمها.
ومنهم من ضعفت ذاكرته، فيضطر للاستظهار أن يحرك شفتيه بما يحفظ حتى يعلق شيء منه في ذهنه، ومنهم من لا يحسن الكلام إلا إذا اضطربت نفسه وفرحت أو سخطت، فإنه في تلك الحال يسرع في خطابه غير مبال، أما إذا لم يكن على حاله من تلك الحالات فيتلعثم ويتردد، ولا يعثر على اللفظ الذي يريده، والخجل الذي يشعر به يزيد هذا الارتباك، ومنهم من لا تأتيه الأفكار وتواتيه إلا إذا كان القلم بيده، وآخر يستظهر المقدمة والخاتمة، ومعظم الجمل الأساسية، ثم يتكلم ويترك الباقي للمصادفات، وغيره يرى أن الكلمات تولد فيه الأفكار، وتفتح أمامه أفقا جديدا، وهو يدرس موضوعه بالإيجاز، ويفكر فيه قليلا أو طويلا بدون أن يحكيه ولا يكتبه في عقله، ويكتب أو يحاول أن يكتب، والكتابة تسهل بزوغ الفكر أحيانا، وأحيانا يتضرر من الكتابة وتفلج قريحته، وبالجملة فإن الكلام في الجمهور من شأن الحكومات الديمقراطية، والخطباء يكثرون - كما قال مونتين - حيث تكون الأمور تتقاذفها العواطف الدائمة بين أخذ ورد.