تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال ريبو: إن معرفة الموضوع الذي يريد الخطيب الخوض فيه ورسم خطته في الفكر بسيطة للغاية من قبل، وهما شرطان لازمان للإجادة في الخطابة، وما عدا ذلك فهو من شأن الحضور المستمعين أكثر مما هو من شأن الخطيب، وأسعد ضروب الارتجال ما ساعد فيه الحضور بتراسل عيون الحب بينهم وبين خطيبهم، والعبرة في معرفة روح الجمهور، فإن له مناحي خاصة في الحسن والتعقل والفهم، حتى ولو كان مؤلفا من فلاسفة وعقلاء، قال ماكس نوردو: اجمع عشرين أو ثلاثين من أمثال كيتي، وكانت وهلمهولز وشكسبير ونيوتن واعرض على حكمهم وآرائهم المسائل العلمية الحاضرة، فإن قراراتهم لا تختلف بتاتا عن مقررات أي مجلس كان، ولماذا يكون ذلك؟ لأن كلا من العشرين أو الثلاثين منتخبا فضلا من تفرده بمزايا تجعله رجلا فائقا، قد ورث بعض صفات نوعه مما يكون به مثيلا لجاره في المجلس، بل شبيها لعامة الأشخاص الذي يمرون في الشارع، فإن الجوهر الإنساني مستحكم من شخصية المرء، وطربوش العامل يغطي قبعة الفيلسوف.

وبقدر ما يستطيع الخطيب قيادة جمهور سامعيه يفعل في أرواحهم ويسوقهم إلى حيث يريد، ومن أجمل ما قاله بريان من خطباء فرنسا: إن الخطاب ليس قطعة أدبية بل هو عمل، والخطاب لا يعمل ليقرأ، بل ليسمع، وصورته التي يظهر فيها ثانوية، فالتأثير يحدث والنتيجة الحاصلة هي كل شيء، ومراعاة القواعد مطلوبة في الخطاب، ولكن مهما كانت قيمته من الوجهة الأدبية، فإنه إذا فصل عن محيطه الذي ألقي فيه وفارق الأسباب التي دعت إليه، هل يكون له شأن صحيفة جميلة من الأدب استخرجت من قلم أستاذ في الكتابة؟ •••

وإليك بعض نصائح عملية لطالب النبوغ في الخطابة، منها أن يجتنب حق الاجتناب كل استعداد كتابي للخطاب: أن يحمل الخطيب نفسه كل صباح، ولو عشر دقائق على أن يتكلم كثيرا في مكان عام أيا كان نوعه، وألا يكتب مراسلة قبل أن يتكلم بمضمونها سواء كان في عقله أو بصوت جهوري، فالتفكر والكلام قبل الكتابة في أي شيء كانا مطلوبان، وألا يعد خطابه في آخر ساعة، بل يجب أن تكون بين ساعة إلقائه وساعة الاستعداد له ليلة على الأقل، واستجمام الفكر خلال الساعات الأخيرة التي تسبق المحاضرة، وألا يكثر من استعمال المفكرات، بل يقتصر على قيد التقاسيم الكبرى والتواريخ، وأن يحفظ حق الحفظ الأسماء الخاصة التي ترد في الكلام، وأن يعود المرء نفسه النطق بالصعب من الحروف ومعناة المخارج المختلفة من اللسان، وأن يتفنن الخطيب في الجمل التي لا مناص له من استعمالها، وهي من لوازم أكثر الناس، فيجتهد أن ينوعها، ويكثر من الأساليب التي هي بمعنى واحد وبألفاظ متباينة، وأن يبدأ الخطيب خطابه أبدا ببطء بل بانخفاض، ثم يتدرج في رفع صوته، فكل خطيب يبدأ كلامه بصوت جهوري يوشك أن يختمه، وقد أبح صوته وانخفض، ويجب أن يعرض فكره بدون أن يثور غضبه، فإن الغضب ليس من الصحة في شيء وبه يبح الصوت، وينبغي له أيضا أن يحدق بصره فيمن ينصتون إليه، وألا يشغل نفسه بقراءة شواهد أو التقليل منها ما أمكن.

والمحركات في الخطيب مكانة، ولكن الإكثار منها لا يحتمل، والأحسن أن يذهب الخطيب مع الطبع، وإذا قوطع الخطيب فعليه أن ينتظر ريثما يعود السكون إلى المجلس، وعلى الخطيب أن يلاحظ تتمة سلسلة كلامه قبل أن يعد جوابا على البديهة، والجواب السديد هو على الغالب من جودة الذاكرة، وعليه إذا خانته لفظة ألا يضيع وقته أصلا في البحث عنها، فاللحن والخطأ أفضل من الوقوف في الإلقاء، وإياك أن تضيع فرصة إسماع موسيقار حاذق في صناعة الكلام؛ أي خطيب مصقع، وفر من المدندنين فرارك من الوباء.

هذا ما قاله المؤلف موريس آجام وكتابه علمي عملي معا، وهاك الآن خلاصات لفقناها من كتاب آخر في هذا ألف، وهو عملي محض، واسم مؤلفه سيلفن روديس،

القديم والحديث · الصفحة ٧٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

القديم والحديثص ٧٣