وكان بوسويه خطيب الفرنسيس المتوفى سنة 1704، يكتب خطبه على الورق فيرسمها، ثم يتوقع ما يوحيه إليه المنبر ليجعل فيها حياة وحركة، وظلت الأصول المتبعة في فرنسا مدة القرن الثامن عشر بأن يقيد المحامون والخطباء أقوالهم، هكذا كان يسير أكبر المحامين كوشين، ولما حدثت الثورة الفرنساوية الأولى اضطر أرباب السياسة إلى الارتجال، فأخذوا يخطبون قومهم بدون أن يستعدوا من قبل، ثم ارتقت الخطابة عندهم في الكليات والمحاكم والمجالس حتى قال موريس آجام: ما من شيء يضاد الارتقاء في الخطابة أكثر من إعدادها بالكتابة قبل الإلقاء، فإذا كان وصل كبار المتكلمين إلى أرقى درجات الفصاحة، فبدونها وصلوا، أو بعبارة ثانية على الرغم منها.
ويرى أن يتمرن المرء على الارتجال بأن يرتجل كل صباح في موضوع من الموضوعات لنفسه ولو ربع ساعة، فيتمرن جرسه وصوته، وذلك بأن يذكر دائما قاعدة ينيبون أن المرء يتعلم الارتجال بتكرار العمل فيه، وأن الواجب تعويد الناشئة النطق منذ نعومة أظفارهم، وأن صناعة الخطابة ولا سيما الارتجال لا يتعلمها من جاز الأربعين من العمر، ولا من جاوز الثلاثين، فالأولى أن يبدأ بها منذ الصغر، وأنه من اللازم على من يريد تعلم الخطابة أن يستنصح صاحبا له يدله على عيوبه في النطق والإشارة، وأن يأخذ النفس كل يوم بسماع صاقع الخطباء لا متوسطيهم حتى يتعلم منهم، فإن المتوسط يفسد عليه ملكة الخطابة؛ ولذلك كانت العواصم والحواضر أكبر ميدان للتخرج في الخطابة؛ لأن فيها من أهل الطبقة العالية أصنافا من الخطباء؛ وذلك لأن السماع يجعل المتكلم متكلما، وفكر البشر يغتذي بالتقليد، وعليك يا هذا ألا تعمد إلى استعمال الغريب ولا تتقعر، بل توخ السهولة، ومألوف الناس من الكلمات تؤثر فيهم، وتفعل في عقولهم. لا تعمد لغير الوضوح ودع الكلمة النادرة للشاعر، والكلمة العويصة للفيلسوف، وإذا اعتقدت أنه يكفي الإنسان أن يتلو كتابا يبحث في أصول الخطاب حتى يصبح خطيبا، فألق سريعا هذا الكتاب طعاما للنار.
كان بوسويه نصف مرتجل يعد مفكرات لخطبه، ثم يزيد عليها وينقص منها عند الإلقاء، وكان فلشيه وفنيلون في مواعظهما يعدان ما يلقيان من قبل ويستظهرانه، وكان كوشين يعد من قبل مدافعاته حتى استطاع في آخر عمره أن يرتجل، وكان المحامي جربيه يعد ما يخطب به مطولا، ولا يزال يمحو منه حتى لا يبقى على أكثر من عشرين سطرا، وكان تارجه يكتب دفاعه برمته ويقرؤه، وكان ميرابو خطيب الثورة ممن يعتمد على الكتابة ليخطب، فاضطرته السياسة أن يرتجل، وما كان يحسن الكتابة وهو مستريح البال، أما إذا هاج فإنه يعاود القلم ويكتب في الجملة، وكان يبدأ بخطابه متأنيا في بادئ الأمر ويتحمس بالتدريج، وكان فيرينو من خطباء الثورة لا يخطب إلا إذا تألم لظلم يقع أو حاذر خطرا يدهم، وعندها تنتبه حواسه ويفكر سريعا، ويعمل في ساعة ما لا يعمل في ساعات، بدأ محاميا وكان يكتب دفاعه ويتلوه، ثم كف عن الكتابة، وكان يعد كل الإعداد خطبه الكبرى، ولا سيما في تلاوتها لأصدقائه من قبل أن يلقيها على الجمهور، وهذه الطريقة هي التي جرى عليها بعد حين تيرس رئيس الجمهورية الأول في الجمهورية الثالثة والعالم المشهور.
وكان كواديه من خطباء الثورة، يكتب خطبه عندما كان محاميا، ولما أصبح خطيبا سياسيا صار يرتجل، وكان إيسنارد من خطباء الثورة مرتجلا، ولكنه كان يكتب، وكان دانتون خطيب الثورة الخطيب التام الأدوات في الثورة، وأقدرهم على إدراك حاجة عنصره، وكان أرول دي سيشل من خطباء الثورة يكتب ويحفظ خطبه ويعمل بقول فولتير: إن الألفاظ بريد الأفكار. وكان روبسبير من خطباء الثورة يعد خطابه، ويمحو ويثبت كثيرا كتلميذ مبتدئ، ومعظم خطبه اخترعت وألفت من قبل أن تنشر، لم يتوسع فيها عندما يقولها، وكانت طريقة بانجامان كونستان الكتابة لما يخطب به مثل القائد فواولافيت ودوبون ورويه كولار، وكان النائب مانويل مرتجلا لا يكتب خطبه إلا في أمور المالية، ولم يتخل دي مارتينيان عن كتابة ما يريد إلقاءه مع أنه يرتجل أحسن ارتجال، ومن كان يسمعه يتكلم بصوت رخيم يستريح ويسكت وينوع لهجته، يستدل على أنه يرتجل، وكان لينه مثل كواديه ورافيه وفيرير من أمراء الكلام، لم يجعل المتقيد بالكتابة إلا مقاما ثانويا، وفيرير كان من أعظم من وجد من رجال المحاماة، كان يفكر طويلا فيما يريد أن يلقيه ويتأمله، فلم يكن ممن يعتمد على الكتابة صرفا، وكان هانكن من رجال المحاماة لا يأنف طول حياته من إعداد خطبه، وكان بريه المحامي لا يكتب خطبه ولم يعرفوا طريقته في خطبه، هل كان يحدث بها أصحابه قبل أن يلقيها، كما كان يفعل فرنيو وتيرس، أو يفكر فيها مثل فيرير، أو يكتبها في فكره مثل هورنانسيورس، والذي عرف عنه وكان يكتم طريقة نبوغه أن كلامه كان يسبق فكره، وإنشاؤه كان منحطا.