ذكر الجاحظ ثمامة بن أشرس فقال: ما علمت أنه كان في زمانه قروي ولا بلدي، بلغ من حسن الإفهام مع قلة عدد الحروف، ولا من سهولة المخرج مع السلامة من التكلف ما كان بلغه، وكان لفظه في وزن إشارته، ومعناه في طبقة لفظه، ولم يكن لفظه إلى سمعك بأسرع من معناه إلى قلبك، قال بعض الكتاب: معاني ثمامة الظاهرة في ألفاظه الواضحة في مخارج كلامه، كما وصف الخريمي شعر نفسه في مديح أبي دلف حيث يقول:
له كلم فيك معقولة
إزاء القلوب كركب وقوف
كان الفضل بن عيسى الرقاشي من أخطب الناس، وكان متكلما، وكان قاصا مجيدا، وكان يجلس إليه عمرو بن عبيد، وهشام بن حسان، وأبان بن أبي عياش، وكثير من الفقهاء وهو رئيس الفضيلية وإليه ينسبون: وكان يزيد بن أبان عم الفضل بن عيسى بن أبان الرقاشي من أصحاب أنس، والحسن كان يتكلم في مجلس الحسن، وكان زاهدا عابدا وعالما فاضلا، وكان خطيبا، وكان قاصا مجيدا، قال أبو عبيدة: وكان أبوهم خطيبا وكذلك جدهم، وكانوا خطباء الأكاسرة فلما سبوا وولد لهم الأولاد في بلاد الإسلام وفي جزيرة العرب، نزعهم ذلك العرق، فقاموا في أهل هذه اللغة كمقامهم في أهل تلك اللغة، وفيهم شعر وخطب، وما زالوا كذلك حتى أصهر الغرباء إليهم ففسد ذلك العرق ودخله الخور، ومن الخطباء زيد بن علي بن الحسين، وعبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر، وكان شاعرا بينا، وخطيبا لسنا. ومن أهل الدهاء والنكراء، ومن أهل اللسن واللقن، والجواب العجيب، والكلام الصحيح، والأمثال السائرة، والمخارج العجيبة هند بنت الحسن وهي الزرقاء، وجمعة بنت حابس.
ومن الخطباء خالد بن سلمة المخزومي من قريش، وأبو ماضر وسالم، وقد تكلم عند الخلفاء، ومن خطباء بني أسيد الحكم بن زيد بن عمير، وقد رأس. ومن أهل اللسن منهم البيان الحجاج بن عمير بن زيد.
ومن الخطباء سعيد بن العاصي بن سعيد بن العاصي بن أمية، قيل لسعيد بن المسيب من أبلغ الناس؟ قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - فقيل له: ليس عن هذا نسألك قال: معاوية وابنه وسعيد وابنه، وما كان ابن الزبير بدونهم، ولكن لم يكن لكلامه طلاوة مقبولة، فمن العجب أن ابن الزبير ملأ دفاتر العلماء كلاما، وهم لا يحفظون لسعيد بن العاصي، وابنه من الكلام إلا ما له بال.
ومن الخطباء عمرو بن سعيد وهو الأشدق، وسعيد بن عمرو بن سعيد، وكان ناسبا خطيبا، وأعظم الناس كبرا، وهو خطيب ابن خطيب ابن خطيب، ومن الخطباء سهيل بن عمرو الأعلم أحد بني حسل بن معيص، وعبد الله بن عروة بن الزبير. قالوا: وكان خالد بن صفوان يشبه به، وما علمت أنه كان في الخطباء أحد أجود خطبا من خالد بن صفوان، وشبيب بن شيبة للذي يحفظ الناس ويدور على ألسنتهم من كلامهما، وما علمنا أن أحدا ولد لهما حرفا واحدا.
ومن النسابين العلماء عتبة بن عمرو بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وكان من ذوي الرأي والدهاء، وكان ذا منزلة من الحجاج بن يوسف، وعمر بن عبد الرحمن خامس خمسة في الشرف، وكان هو الساعي بين الأزد وتميم في الصلح، ومن بني الحرقوس شعبة بن القلعم، وكان ذا لسان وجواب وعارضة، وكان وصافا فصيحا، وبنوه عبد الله وعمر وخالد، كلهم كانوا في هذه الصنعة، غير أن خالدا كان قد جمع بلاغة اللسان والعلم والحلاوة والظرف، وكان الحجاج لا يصبر عنه.
ومن بني أسيد بن عمرو بن تميم أبو بكر بن الحكم، كان ناسبا راوية شاعرا، وكان أحلى الناس لسانا، وأحسنهم منطقا، وأكثرهم تصرفا، ومنهم معلل بن خالد أحد بني أنمار بن الهجيم، وكان نسابة علامة راوية صدوقا مقلدا، ومنهم من بني العنبر، ثم من بني عمرو بن جندب أبو الخنساء عباد بن كسيب، وكان شاعرا علامة ورواية نسابة، وكانت له حرمة بأبي جعفر المنصور، ومنهم عمر بن خولة كان ناسبا خطيبا، وراوية فصيحا من ولد سعيد بن العاصي، والذي أتى سعيد بن المسيب ليعلمه النسب، هو إسحاق بن هشام المخزومي، ومن خزاعة ابن مازن أبو عمرو بن العلاء، وأخوه أبو سفيان، ومنهم أبو نوفل بن أبي عقرب، كان علامة ناسبا خطيبا فصيحا، وهو رجل من كنانة أحد بني عريج، ومن بني كنانة، ثم من بني ليث، ثم من بني الشداخ يزيد بن بكر بن دأب، وكان يزيد عالما ناسبا وراوية شاعرا، وولد يزيد يحيى وعيسى، وهو الذي يعرف في العامة بابن دأب، وكان من أحسن الناس حديثا وبيانا، وكان شاعرا راوية، وصاحب رسائل وخطب، وكان يجيدها جدا، وكان أبو الأسود الدؤلي، واسمه ظالم بن عمرو بن جندل بن سفيان خطيبا عالما، وكان قد جمع شدة العقل، وصواب الرأي، وجودة اللسان، وقول الشعر والظرف، ومنهم زياد بن ظبيان التيمي العايشي، وكذلك ابنه عبيد الله كان أفتك الناس، وأخطب الناس، ومنهم صعصعة بن صوحان من خطباء الخوارج، وعبيد الله بن زياد ويضرب به المثل. وكان عثمان بن عروة أخطب الناس. وكان خالد بن يزيد بن معاوية خطيبا شاعرا، وفصيحا جامعا، وجيه الرأي كثير الأدب، وكان أول من ترجم كتب النجوم والطب والكيمياء.