وقال: ليس في الأرض كلام هو أمتع ولا أنفع، ولا آنق، ولا ألذ في الأسماع، ولا أشد اتصالا بالعقول السليمة، ولا أفتق للسان، ولا أجود تقويما للبيان من طول استماع حديث الأعراب الفصحاء العقلاء، والعلماء البلغاء، وقد أصاب القوم في عامة ما وصفوا، إلا أني أزعم أن سخيف الألفاظ مشاكل لسخيف المعاني، وقد يحتاج إلى السخيف في بعض المواضع، وربما أمتع بأكثر من إمتاع الجزل الفخم، ومن الألفاظ الشريفة الكريمة من المعاني، كما أن النادرة الباردة جدا قد تكون أطيب من النادرة الحارة جدا، وإنما الكرب الذي يختم على القلوب، ويأخذ بالأنفاس النادرة الفاترة التي هي لا حارة ولا هي باردة، وكذلك الشعر الوسط والغناء الوسط، وإنما الشأن في الحار جدا والبارد جدا، وكان محمد بن عباد بن كاسب يقول: والله لفلان أثقل من مغن وسط، وأبغض من ظريف وسط. قلنا: وهذا يشبه ما قاله لابرويير في كتابه الأخلاق: من الأشياء ما لا يطاق فيه التوسط: الشعر والموسيقى والتصوير والخطاب العام.
قال إسحاق بن حسان بن فوهة: لم يفسر البلاغة تفسير ابن المقفع أحد؛ سئل: ما البلاغة؟ قال: البلاغة اسم جامع لمعان تجري في أمور كثيرة، منها ما يكون في السكوت، ومنها ما يكون في الاستماع، ومنها ما يكون في الإشارة، ومنها ما يكون في الحديث، ومنها ما يكون في الاحتجاج، ومنها ما يكون جوابا، ومنها ما يكون ابتداء، ومنها ما يكون شعرا، ومنها ما يكون سجعا وخطبا، ومنها ما يكون رسائل، فعامة ما يكون من هذه الأبواب الوحي فيها، والإشارة إلى المعنى، والإيجاز هو البلاغة، فأما الخطب بين السماطين وفي إصلاح ذات البين، فالإكثار في غير خطل، والإطالة في غير إملال، وليكن في صدر كلامك دليل على حاجتك، كما أن خير أبيات الشعر البيت الذي إذا سمعت صدره عرفت قافيته، كأنه يقول: فرق بين صدر خطبة النكاح، وبين صدر خطبة العيد، وخطبة الصلح، وخطبة المذاهب، حتى يكون لكل فن من ذلك صدر يدل على عجزه، فإنه لا خير في كلام لا يدل على معناك، ولا يشير إلى مغزاك، وإلى العمود الذي إليه قصدت، والغرض الذي إليه نزعت، قال: فقيل له: فإن مل المستمع الإطالة التي ذكرت أنها حق ذلك الموقف، قال: إذا أعطيت لكل مقام حقه، وقمت بالذي يجب من سياسة ذلك المقام، وأرضيت من يعرف حقوق الكلام، فلا تهتم لما فاتك من رضا الحاسد والعدو، فإنه لا يرضيهما شيء. وأما الجاهل فلست منه وليس منك، ورضا جميع الناس شيء لا ينال. (9) خطباء الجاهلية والإسلام
قال الجاحظ: في الخطباء من يكون شاعرا ويكون إذا تحدث أو وصف أو احتج بليغا مفوها بينا، وربما كان خطيبا فقط وشاعرا فقط، وبين اللسان فقط، ومن الشعراء الخطباء الأنبياء الحكماء قس بن ساعدة الأيادي، والخطباء كثير والشعراء أكثر منهم، ومن يجمع الخطابة والشعر قليل، ومنهم عمرو بن الأهتم المنقري وهو المكحل، ومن الخطباء الشعراء البعيث المجاشعي، واسمه خداش بن بشر بن لبيد، ومن الخطباء الشعراء الكميت بن زيد الأسدي، وكنيته أبو المستهل، ومن الخطباء الشعراء الطرماح بن حكيم الطائي، وكنيته أبو نفر، ومنهم عمران بن حطان، وكنيته أبو شهاب رئيس القعدة من الصفرية، وصاحب فتياهم ومقرعهم عند اختلافهم، ومنهم دغفل بن حنظلة النسابة الخطيب العلامة، ومنهم القعقاع بن شور، ومنهم نصر بن سيار أحد بني ليث بن بكر صاحب خراسان، ومنهم زيد بن جندب الأيادي، وعجلان بن سحبان الباهلي، وهو سحبان وائل وخطيب العرب.
ومن الشعراء العلماء أعشى همذان، ومن الشعراء الخطباء عمران بن عصام العرني، ومن خطباء الأمصار وشعرائهم والمولدين منهم بشار الأعمى، وهو بشار بن برد وكنيته أبو معاذ، ومن الخطباء الشعراء، ومن يؤلف الكلام الجليل ويصنع المناقلات الحسان، ويؤلف الشعر والقصائد الشريفة مع بيان عجيب، ورواية كثيرة، وحسن دل وإشارة عيسى بن يزيد بن دأب أحد بني ليث بن بكر، وكنيته أبو الوليد، ومن الخطباء الشعراء ممن كان يجمع الخطابة والشعر الجيد والرسائل الفاخرة مع البيان الحسن كلثوم بن عمرو العتابي، وكنيته أبو عمرو، وممن جمع الشعر والخطب والرسائل الطوال والقصار، والكتب الكبار المجلدة، والسير الحسان المولدة، والأخبار المدونة سهل بن هارون بن راهييوني الكاتب، صاحب كتاب ثعلة وعفرة في معارضة كتاب كليلة ودمنة، وكتاب الإخوان، وكتاب المسائل، وكتاب المخزومي، والهذلية وغير ذلك من الكتب، ومن الخطباء الشعراء علي بن إبراهيم بن جبلة بن مخرمة.