طلق الأستاذ العقاد الأسجاع والجناس وأنواع البديع، وجاءنا بإنشاء فيه طلاوة الحديث بسبكه ومعناه، وجلالة القديم ببيانه، وربما تلوت له فصلا برمته، وليس فيه سجعة أو معنى مكرر، تراه يكتفي في تصويره بعشرة ألفاظ، وكان غيره يحشر له العشرين والثلاثين لفظة، وإذا عمد إلى استعمال الفصيح الذي لم يبتذل، فإنه يكون في كلامه بمقدار الخال في صفحة الوجه الجميل، أما التراكيب فتظن نفسك وأنت تقرأ كلامه أمام «أبدى بدوي وعلى طباع أفصح عربي».
وإن أهل هذه الطبقة العالية قد أكذبوا القائلين بأن العربية لا يتسع صدرها للمعاني الجليلة، وأن العرب عنوا بالألفاظ أكثر من المعاني، وما الألفاظ إلا القوالب، فقد قال ابن جني في الخصائص ردا على من ادعى على العرب عنايتها بالألفاظ وإغفالها المعاني: إن العرب كما تعنى بألفاظها وتصلحها وتهذبها وتداعبها، وتلاحظ أحكامها بالشعر تارة وبالخطب أخرى، وبالأسجاع التي تلزمها وتكلف استمرارها، فإن المعاني أقوى عندها، وأكرم عليها، وأفخم قدرا في نفوسها، فأول ذلك عنايتها بألفاظها، فإنها لما كانت عنوان معانيها، وطريقا إلى إظهار أغراضها ومرئيها، أصلحوها وبالغوا في تجييدها وتحسينها؛ ليكون ذلك أوقع لها في السمع، وأذهب في الدلالة على القصد، فإذا رأيت العرب قد أصلحوا ألفاظها وحسنوها، وحموا حواشيها وهذبوها، وصقلوا غروبها وأرهفوها، فلا تريد أن العناية إذ ذاك إنما هي بالألفاظ، بل هي عندهم خدمة منهم للمعاني، وتنويه بها وتشريف منها، ونظير ذلك إصلاح الوعاء وتحصينه، وتكوينه وتقديسه، وإنما المبغي بذلك منه الاحتياط للموعى، وعليه جوازه بما يعطر نشره ... وقال عبد القاهر الجرجاني في «دلائل الإعجاز»: لا يكون الكلام يستحق اسم البلاغة حتى يسابق معناه لفظه، ولفظه معناه، ولا يكون لفظه أسبق إلى سمعك من معناه إلى قلبك، وقولهم يدخل في الأذن بلا إذن، فهذا مما لا يشك العاقل في أنه يرجع إلى دلالة المعنى على المعنى، وأنه لا يتصور أن يراد به دلالة اللفظ على معناه الذي وضع له في اللغة.
قلنا وهذا ما جعله المجودون من كتابنا المعاصرين نصب أعينهم، فلم يقنعوا بالقشور، بل اهتموا باللباب، وعنوا بالقوالب وما تحويه، وإذ قد أرهفوا أقلامهم لنقد الكاتبين المتوسطين، كانوا أحرياء بأن يظهروا كتاباتهم خالية من الشوائب اللفظية والمعنوية، وأدبنا في كل عصر ما خلا من نقاد يوازنون بين كلام المبرزين في منثورهم ومنظومهم، ينوهون بالكلام الشريف، ويرذلون الساقط الوضيع، ومعولهم في أحكامهم على قوانين البلغاء والذوق السليم.
لو لم تغفل عين العناية بعد القرن الرابع للهجرة عن الاقتباس عن الأمم الأخرى، ولو لم يكتف أهل الأدب والعلوم بما حصل لهم ونفحوه وأضافوه حتى القرن الثالث عشر؛ أي لو لم نقف بأدبنا عند حد ما عرفنا تسعة قرون، لكنا اليوم كفرنسا بالشعر والأدب، نفهم منها ما يفهمه الفرنسيس، بل سائر أمم الغرب الراقي من الشعوب الأنجلوسكسونية واللاتينية والسلافية، ولكنا ننال جوائز نوبل في الأدب على نحو ما يأخذها الهولانديون والسويديون على الأقل، ونحن معاشر العرب بعددنا نحو عشرة أضعاف كل أمة من تلك الأمم الصغيرة الممدنة.
وإنا نرى هذا التجدد محسوسا في الشعر كما هو محسوس في النثر، فقد جاء محمود سامي البارودي أواخر القرن الماضي في شعره عربيا قحا، وتلاه إسماعيل صبري بشيء من أدب العصر، فحل قيدا من قيوده، وجاء بعدهما حافظ إبراهيم بشعره الاجتماعي المرقص ففك قيود سابقيه، وسيجيء صاحب السلسلة الرابعة بما ليس الآن في الحسبان والتجدد والنشوء الاجتماعي. لا جرم أن للصحف والمجلات اليوم يدا طولى في هذا التطور، فإنها تنقل إلينا كل يوم شيئا جديدا عن آداب الأمم الأخرى، وكلما تطورت مدنيتنا بطور العصر، فالأدب أول ما يتطور فينا، يعلم ذلك كل من تصفح سفرا نشر قبل خمسين سنة، وكتابا نشر اليوم، ومن تلا الصحف لعهدنا وعارضها بما كان يكتب من نوعها أوائل عهد الصحافة العربية في مصر والشام وتونس، يدرك الخطوات السريعة التي خطوناها نحو المدنية، وجددناها على ما يوافق إقليمنا وطباعنا، وألبسناها حلة من حللنا الشرقية البديعة، وأساتذة هذا الشأن بمصر اليوم العقاد، وطه حسين، والمازني، وعبد القادر حمزة، وغيرهم من حملة الأقلام الذين يقودون قراءهم إلى سوق عكاظ جديد، وفي الشاميين كتاب من هذه الطبقة يطرسون على آثار كتاب مصر، ولا نعلم في العراق وتونس والجزائر أناسا يصدق عليهم تعريف المجددين في الإنشاء.