إلى اليوم على كثرة اختلاط مصر والشام وتونس والجزائر، بأدباء الغرب وأخذهم عنهم، لم يكتب للغة العربية اقتباس التمثيل، كما هو الحال في الغرب؛ وذلك لأن التمثيل عارض في المدنية العربية، وإيجاد المفقود أصعب من إصلاح الموجود، ولكن الخروج بالكتابة عن روحها العتيقة مع إلباسها الحلة العربية القديمة التي كانت لها في القرنين الثاني والثالث مثلا، والرغبة في القصص والنوادر آخذة بالترقي، ومعظم قصصنا ونوادرنا ورواياتنا التشخيصية محتذاة من الإفرنجية، أو منقولة عنها بالحرف، وهذا من أبشع ضروب الاقتباس، ولعله لا يطول الأمر حتى ينشأ للأمة العربية روائيون وقصصيون، وكتاب فاجعات، ومآس على الصورة التي جرت عليها أمم الحضارة الحديثة، فيعود أرباب الأقلام إلى الإبداع والاختراع، ويسير المنشئون بروح الأمة يعالجونها بما يوائمها، فما ينفع من أدب الغرب قد لا ينفع ولا يلتئم مع حالة ابن المشرق. •••
أكتب هذا بمناسبة سفر بديع ظهر حديثا
3
في عالم الأدب العربي، فأدخل السرور على قلوب أنصار التجدد، وأعني به كتاب «مطالعات في الكتب والحياة» لكاتب من أفذاذ الكتاب بمصر الأستاذ العقاد، ومؤلفه بحاثة نقادة في الأدب والشعر على مثال أدباء الغرب، نشر قبل سنين كتاب «الفصول» فأجاد، والآن جاء يعبد وأهل حلقته تلك الطريقة، وينشر على الأدب جملة فضله الرائع، الذي جمع فيه بين أجمل القديم وأنفع الحديث، ومن حسنت ملكته وصحت قريحته، كان جديرا بأن يختار الأطايب في كل ما يعرض له.
تقرأ الأستاذ العقاد فتظنك تقرأ نقادا من نقاد فرنسا أمثال: فاجية، ولمنر وبيدو، وبريستون، ولكن بديباجة عربية تشبه اللغة يوم عزها، ويدهشك بسلامة ذوقه، وسلاسة تعبيره، ورصف جمله، ورنة تراكيبه، وقلما يكتب ذلك إلا لأفراد في كل عصر، فقد كانت الطبقة السابقة التي حاولت إدخال هذه الطريقة في اللغة إلى جانب القصور؛ لضعف ملكاتها من اللغة التي حاولت تبديل قيافتها، وكثيرا ما كانت ضعيفة أيضا في اللغة التي حاولت الأخذ عن بنيها تفهم الألفاظ، ولكنها عن المعاني بمعزل، بيد أن هذا النابغة رزق السعادتين، فأتقن الأدب الإفرنجي إتقانه للعربي، وجاء منه جهبذ بحاثة، ذو أسلوب مبتكر لا ينكره المنصفون من الغالين بتمجيد القديم، ويغتبط به المجددون أية غبطة.
منذ أكثر من خمس وعشرين سنة، وأنا أنظر في الكتب العصرية التي تخرجها المطابع العربية في الشرق والغرب، فلم أكد أقرأ كتابا في الأدب المعاصر، تأليفا كان أم ترجمة، إلا وتتراءى لي كثرة تفريطه في تأليفه، وقلما رأيت إبداعا إلا في بعض التآليف، أمثال «حديث عيسى بن هشام» للمويلحي الصغير، و«النظرات» و«العبرات» للمنفلوطي، و«ليالي سطيح» لحافظ، وبضعة كتب أخرى ليست على خاطري، رجوت لها الخلود، وباقيها ومنه المسجع، أو الممسوخ، أو المسلوخ، أو المنسوخ، لا أستحي أن أقول إنها تتساقط كما يتساقط ورق الشجر في الخريف، وتضيع كما تضيع مقالات الصحف اليومية بعد صدروها بساعات معدودة .
لم يبرح النزاع عندنا بين أنصار الجديد والقديم على أتمه، ولكن التطور يعمل عمله، رغم احتجاج المحتجين وصياح الصائحين، والانتقال محسوس في الأدب كما هو محسوس في كل أطوار الحياة عندنا، وأنت اليوم إذا قرأت صفحة من «مقامات اليازجي»، أو رسالة من «رسائل الأحدب»، أو جملا من مصطفى نجيب وحمزة فتح الله على تلميذ شدا شيئا من الأدب يضحك مما تسمعه، ويقول لك هذا كلام يضعف اللغة، ويذهب ببهجتها، وألفاظه أكثر من معانيه، ولكنك إذا تلوت عليه صفحات من السيد العقاد تطربه نغمته، وتعجبه ديباجته، فتستغرق معه ساعات في المطالعة لا تمل، وكلما أتممت فصلا وددت لو طال أكثر. فمقالات العقاد في تحليل روح المعري وحياة المتنبي وأدبه، دلت عن أدب بارع ونفس طويل، وخواطره في ماكس نوردو وأناتول فرانس، والشعر ومزاياه، والطبع والتقليد، وعبقرية الجمال والتشاؤم، وأدوار العمر، كل ذلك مما يحمل للقارئ علما طريفا وتليدا، ونبوغا وعبقرية وتجديدا، يروقك بأسلوبه فتستفيد من الفكرة، ومن القوالب البديعة التي ظهرت فيه.