ربما يتساءل القارئ، وقد بلغ به البحث إلى هذه الجملة، وهل كان النساء يا ترى بعيدات عن هذه الحركة الأدبية على حين لم يكن في بغداد، ولا الأندلس، ولا في صدر الإسلام بعيدات عنها؟ راجع الجزء الخاص بالصحابيات من طبقات ابن سعد الكبرى و«بلاغات النساء» لابن طيفور، وأخبار الأندلسيات في «نفح الطيب»، فالجواب أنهن شاركن بقدر اللزوم، ولا يزال عددهن ينمو بنمو روح العلم فيهن، فقديما رأينا المحدثات والواعظات والمتفقهات والأديبات، واليوم نرى الكاتبات والأديبات والباحثات والخطيبات، فقد افتخرت مصر بنبوغ السيدة عائشة عصمت التيمورية شقيقة الأستاذ أحمد تيمور باشا العالم المشهور، ولها ديوان شعر سلس رقيق، وجاءت بعدها السيدة ملك ناصف، الملقبة بباحثة البادية، وهي ابنة حفني ناصف شيخ الأدب في عصره، وصاحبة كتاب «النسائيات»، وكانت كاتبة مبدعة فعاجلتها المنية ، وكان يرجى منها أن تقلب حياة المرأة المصرية رأسا على عقب، وقد حللت الكاتبة المشهورة السيدة ماري زيادة، الملقبة بمي حياة ملك ناصف في سفر بديع، دل على علو كعبها في الأدب وتحليل النفوس. وفي الشام ومصر اليوم زمرة من الكاتبات المجيدات، المتشبعات بالآداب الغربية، لا تحضرني الآن أسماؤهن بأجمعهن. والنساء عندنا في دور الفهم والتطور والاقتباس.
ولا يسعنا أن نختم هذه العجالة قبل أن نرسل سلاما طيبا إلى كتابنا الشاميين في المهاجر، ولا سيما في الأمريكيتين، فإنهم تشبعوا بالأدب الإفرنجي، فأخذوا يكتبون لقومهم هنا وهناك بلسان جديد من التجديد، بل أكثر من التجدد، واشتهر منهم أمين الريحاني صاحب «الريحانيات»، وملوك العرب وغيرهما من تآليفه، وجبران خليل جبران وهو كاتب ومصور، ولكن تصوير الكلام بالحروف يتعاصى عليه أحيانا أكثر من التصوير بالقلم والخطوط على ما يظهر، فيبدو الغموض في تضاعيف سطوره، ومثال من ذلك كتابه «الأجنحة المتكسرة»، ولكل منهما قراء ومعجبون بأدبهما، ولو كتب لهما أن يرزقا حظا من البيان العربي يوازي حظهما من الآداب الإنجليزية، إذن لجاء من شعرهما المنثور وخيالهما اللطيف مادة للمجددين في أدب لغتنا، وهناك بضعة من الكتاب نزلوا ممالك الجنوب والشمال من أميركا، فكتبوا وعلموا قومهم، ولم يكتب لنا الاطلاع على عامة ما خطته أناملهم، ونمقته أفكارهم.
ولا بأس من التصريح هنا برأي لنا خاص في الكتاب الأقدمين منهم والمحدثين، وربما كان في حملة الأقلام من لا يساهمنا هذا الرأي، ويعدون حكمنا من باب التهجم على من عرفوا كلهم شهد الله بالفضل، وأغنوا غناءهم في جانب الآداب، ولكن هو الرأي يصدره الصغير أمام الكبير، ولا إثم عليه ولا حرج، نريد أن نقول: إن عمر الطالب يقصر عن استيعاب جميع ما كتبه المنشئون في هذه الملة تصفحا ودرسا، فالأولى أن يختار الزبدة، ويأخذ الأهم فالأهم مما يعينه على تحسين ملكته في البيان، وما نخاله من حيث الأسلوب إلا مخترع طريقته بنفسه، متى تمت أدواته اللازمة، وأتقن ما لا غنية عنه من نحو اللغة وصرفها وبيانها وبلاغتها ، والأولى الاقتصار في الدراسة على من أجمعت الأمة على تبريزهم في هذه الصناعة، كعمرو بن بحر الجاحظ، وعبد الله بن المقفع، وعبد الحميد بن يحيى، وسهل بن هارون، وأحمد بن يوسف، وأضرابهم ممن كتبوا مع طبعهم غير متعلمين، وما قيل في الكتاب يقال في الشعراء جاهليهم ومخضرميهم ومولديهم، وهم - بحمد الله - كثيرون جدا، والأولى الاقتصار على بضعة من المشهود لهم بالإجادة المتناهية، أما أدب أهل العصور المتأخرة فإن الطالب يقرؤه حب الاطلاع، أو لأخذ مادة عن تاريخ الأدب في عصورهم، وبعبارة أوجز يعتمد في البيان على القدماء من قبل الإسلام إلى أواخر القرن الرابع، كما يأخذ العلوم عن المحدثين من أمم الحضارة وغيرهم.