تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وممن نشأ في هذا القرن ضياء الدين بن الأثير صاحب «المثل السائر»، فهو أيضا كاتب مسجع مبدع، وهو الذي تصدى ابن أبي الحديد المدائني لمؤاخذته والرد عليه وعنته، وجمع هذه المؤاخذات في كتاب سماه «الفلك الدائر على المثل السائر». وسيد المنشئين على التحقيق في هذا العصر القاضي الفاضل وزير صلاح الدين، فهو حجة المنشئين سواء توسل بالسجع أو تخلى عنه، مع أنه لم يكن يفارقه على الأغلب، ولو انتهت إلينا رسائله كلها لجاءت بضعة مجلدات، والقليل المقتبس منه في صبح الأعشى «ورسائله» المخطوطة، وما نقل له في «الروضتين» مما تنبسط له النفس، ويجيء بعده في المرتبة عماد الدين الكاتب الأصفهاني، فهو سالك طريقته، ولكنه في دعواه التفوق على غيره من الكتاب أشبه الناس بصاحب المثل السائر، والدعوى تذهب بمهجة العلم وإن كانت صحيحة، وكتاباه «الفتح القسي» و«زبدة النصرة» نموذج أدبه، وراموز صالح من سجعه وترسله، وقد نشأ في عصر القاضي الفاضل والعماد الكاتب، كاتب هزلي اسمه الوهراني (ركن الدين أبو عبد الله محمد 585) عمل «المنامات والرسائل» المشهورة التي لم تطبع؛ وذلك لأنه أيقن لما دخل الشام مهاجرا من الجزائر أن بضاعته لا تنفق مع وجود القاضي الفاضل والعماد الكاتب، وتلك الحلبة كما قال ابن خلكان في «وفيات الأعيان»، فعمد إلى الهزل ونفق سوقه. ومنهم ابن منقذ صاحب كتاب «الاعتبار» ذكر فيه قصصا في الشجاعة وقعت له ولأسرته أصحاب قلعة شيزر على عهد الحمالات الصليبية الأولى، وذكر شيئا من عادات الصليبيين وأخبارهم وشجاعتهم على صورة مستغربة، ومنهم يحيى بن زيادة الشيباني انتهت إليه المعرفة بأمور الكتابة والإنشاء، وابن الصيرفي صاحب «الإشارة إلى من نال الوزارة» و«قانون ديوان الرسائل».

وممن كان في القرن السابع من الكتاب وسار على الطريقة الفاضلية في الإنشاء محيي الدين بن عبد الظاهر (692)، وابنه محمد فتح الدين، ويعد الأب والابن من واضعي نظام الإنشاء في عصرهما والعصرين التاليين، وابن عبد الظاهر أضعف في البلاغة بما ورد له في صبح الأعشى من الفاضل والعماد، ومن تقدمه في الميلاد، وممن عرف بالبراعة في تصوير البلدان والآثار عبد اللطيف البغدادي الفيلسوف (629)، فإن كتابه «الإفادة والاعتبار» شاهد له بأنه من خيرة البلغاء في عصره، ومنهم الوزير عبد المحسن بن حمو (643)، وبهاء الدين الإربلي، والكمال بن العديم (666).

وتعد رحلة ابن خبير الكناني الأندلسي (416) إلى الشرق من الأدب العالي؛ فقد وصف البلدان في عصره وصفا فاق فيه من تقدمه، مثل ابن بطلان وابن فضلان، كما فاق من تأخر مثل العبدري (688)، والبلوى (740)، وابن بطوطة (779)، والزركشي (794)، وابن أبي البركات النجدي (895)، على أن الجمل التي أثرت عن ابن بطلان في مطولات الجغرافية - وكانت رحلته من العراق إلى الشام في النصف الأول من القرن الخامس - تنم عن أدب وفضل ذوق في وصف البلدان والسكان، والقليل مما قرأناه من هذا القبيل في معجم البلدان، ولأحمد بن فضلان - وكان المقتدر بالله العباسي أرسله إلى ملك الصقالبة سنة 309ه - يدل أيضا على ذوق وفضل علم وأدب.

وعلى ذكر الجغرافية يجب أن يعد في جملة الأدب الجيد ما كتبه ياقوت الحموي؛ فإن «معجم البلدان» و«معجم الأدباء» من أنفس ما كتب الكاتبون في هذا القرن، كما أن ما كتبه القفطي (646) في «أخبار الحكماء»، وما كتبه ابن أبي أصيبعة (668) في «طبقات الأطباء»، يعد من الأدب العالي في تراجم الناس، ومن هذه الكتب الأربعة التي طبعها المستشرقون استفدنا أمورا كثيرة في الحضارة العربية لم نكن نعرفها من قبل، كما استفدنا أي استفادة من نشرهم لنا «تاريخ الرسل والملوك» لابن جرير الطبري، «ومروج الذهب» للمسعودي، و«الكامل» لابن الأثير، و«تاريخ اليعقوبي» و«تاريخ سني ملوك الأرض والأنبياء» لحمزة الأصفهاني، و«الفخري» لابن الطقطقي، و«البدء والتاريخ» لمطهر بن طاهر المقدسي، وغير ذلك من تواريخ الأولين، وكذلك استفدنا من نحو خمسة عشر مجلدا لجغرافي العرب، طبعوها فعلمونا بها تاريخ بلادنا الاقتصادي والعمراني، وأشياء مهمة لم نكن نحلم بوجودها، وكثر بها رأس مالنا من الفصيح والتعابير العلمية.

القديم والحديث · الصفحة ٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

القديم والحديثص ٤٩