تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن كتاب القرن الثامن في مصر والشام ابن فضل الله العمري صاحب «مسالك الأبصار» و«التعريف بالمصطلح الشريف»، والصلاح الصفدي (764) صاحب «الوافي بالوفيات» و«تحفة ذوي الألباب» و«نكت الهميان» و«جنان الجناس» و«دمعة الباكي»، والشهاب محمود الحلبي صاحب «حسن التوسل في معرفة صناعة الترسل»، وعلاء الدين بن غانم، وأحمد الأنصاري، وابن القيسراني، وكمال الدين الزملكاني. ونبغ في الأندلس لسان الدين بن الخطيب، ولو لم يكن له إلا «الإحاطة في أخبار غرناطة»، لكفى في تفوقه في كتابته وشعره، فإنه صور وترجم لهم كأنك تراهم، فهو كاتب ومصور على ما يظهر، ونفح الطيب للمقري يحوي طرفا صالحا من نظم لسان الدين ونثره، مع زمرة من رجالات الأندلس، وقد حل لسان الدين بعض القيود في الكتابة هو وصاحبه ابن خلدون (808)، وكان الكتاب قبلهما، ولا سيما في القرنين السادس والسابع يقلد بعضهم بعضا، فأصبحت الصناعة تسير نحو التقليد لا إبداع فيها ولا تجديد، فالمجددون في الحقيقة في القرن التاسع، هما عبد الرحمن بن خلدون، ولسان الدين بن الخطيب، ولم تكد تكتب العلوم الاجتماعية والتاريخية قبل ابن خلدون، بمثل ذاك اللسان الذي استعمله، ولا غرو فهو وصاحبه حسنة من حسنات الأندلس، وزهرتان ناضرتان من الزهور التي أهداها المغرب للمشرق، وبهما ختم عهد الأندلس. •••

كانت دواوين الإنشاء في قرطبة وغرناطة والقاهرة ودمشق وبغداد وغيرها من مراكز الحكومات في القرون الوسطى، مدارس لتعلم الإنشاء، والأخذ من فن الأدب العربي الواسع، فلما انحلت دولة الأندلس، واستولى الترك العثمانيون على مصر والشام والعراق، بطل التناغي بالأدب والإنشاء؛ لأن التميز في هذا الشأن أصبح لا يجدي صاحبه شيئا، وغدا فن الإنشاء مقصورا على بعض أفراد في كل قطر عربي يستخدمونه حلية وزينة، وإذ لم يبق في الحكومات من يقدر الأدب قدره، ضعف بحكم الطبيعة، وزاد عدد الشعراء أكثر من الكتاب؛ لسهولة الشعر وإمكان الانتفاع به في المديح، وإن كان الشعراء في كل دور من أدوار العرب فيما رأينا أكثر من الكتاب بما لا يقاس.

طالع كتاب «عجائب المقدور في أخبار تيمور» المسجع المجنس و«فاكهة الخلفاء»، وكلاهما لابن عربشاه من أهل القرن التاسع، وتأملهما وتأمل «تاريخ العتبي» وسجعه، تجد حتى في السجع فروقا وأي فروق، وطالع «مقامات السيوطي» و«مقامات ابن الوردي»، وعارضها بمقامات الحريري وبديع الزمان، يتجلى لك الفرق بين النمط العالي على ما يقال فيه، والذي دونه بمراحل، واقرأ «ريحانة الألبا» للشهاب الخفاجي، وطالع سجعه الذي هو أرقى سجع في القرن العاشر، تجد بينه وبين نثر ابن بسام في «الذخيرة»، وابن خاقان في «قلائد العقيان» فرقا بينا أيضا، كما أنك قلما تجد في الأدباء الذين ترجم لهم الخفاجي، وكانوا تقدموه وعاصروه في الشام ومصر والحجاز واليمن والمغرب إلا شاعرا، والكتاب قلائل، والأدب العربي كاد يستحيل إلى أماديح، وأكثره للتزلف من الكبراء وهو ضيق العطن، مبتذل الديباجة، فللنثر أسجاع تشق على الأسماع، وللنظم قواف لا تألفها الطباع، والروح منقولة، والألفاظ من جنس المبتذل مدخولة، ومعظم المنشئين والمتأدبين يكتبون نمطا واحدا من عهد أبي إسحاق الصابي، وأحمد بن يوسف إلى عهد لسان الدين بن الخطيب وابن خلدون، وهما اللذان أثبتا أن للمعاني تأثيرا أعظم من تأثير الألفاظ، فأتيا بالجديد المبتدع، وخلص كلامهما من المصنع الغث، وسارا مع الطبع في التأليف والوضع .

وفي القرن التاسع نشأ القلقشندي (821) صاحب «صبح الأعشى»، وكتابته من السجع على الطريقة الفاضلية المتناسبة مع زمنه، وقد جمع في كتابه نموذجات من إنشاء العصور السالفة إلى عصره، فكان كتابه معلمة (أنسيكلوبذيا) للمنشئين، كما كان كتاب «نهاية الأرب للنويري». وأهل البصر بعيوب الكلام يفضلون على القلقشندي المؤرخ المقريزي وجلال الدين السيوطي. ومن كتاب القرن التاسع محمد بن أبي بكر المخزومي، ومحمد بن عبد الدائم، وابن حجة الحموي (837)، وكتابا «خزانة الأدب» و«ثمرات الأوراق»، لابن حجة مثال التكلف، ومن اقتصر في درسه عليهما تخدشت فيه ملكة البيان لا محالة.

القديم والحديث · الصفحة ٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

القديم والحديثص ٥٠