ونشأ في هذا القرن والذي يليه في الأندلس طبقة من الكتاب، ومنهم من تولى الوزارة، والغالب أن الكاتب المجيد في الدهر السالف يكون وزيرا، كالخطيب المصقع في هذا الدهر يكون رئيس الوزراء، مثل الباجي، وابن الدباغ، وابن الجد، وابن القاسم، وأبي الأصبغ وابنه أبو عامر، وابن سفيان، وابن الحاج، وابن عبدون، وابن أبي الخصال، وابن عبد العزيز، وابن السقاط، وابن القصيرة «وكان هذا على طريقة قدماء الكتاب من إتيان جزل الألفاظ، وصحيح المعاني، من غير التفات إلى الأسجاع التي أخذها متأخرو الكتاب، اللهم إلا ما جاء في رسائله من ذلك عفوا من غير استدعاء»، ومنهم ابن عبد الغفور، وابن عمار، وابن الأفطس، وابن سالم، ومنذر بن سعيد، وابن أيمن، وابن اللبانة، وابن عبد البر والفرضي، وابن سعيد المؤرخ، وابن حيان، وابن القوطية، وأبو عبيد البكري صاحب «معجم ما استعجم» و«المسالك والممالك»، وابن الطفيل صاحب «رسالة حي بن يقظان»، وفيها إشارات لمذهب النشوء والارتقاء، ومنهم البطليوسي، وابن تومار، وابن هود، والنحلي والأشبوني، والقسطلي، وابن لبون، وابن رزين، والنمري، والسرقسطي، وابن القلاس، والقصاعي، والبهاري، والحجاري، والداني، والبلنسي، والطليطلي وغيرهم، وما منهم إلا منشئ مجود ومؤلف جزل العبارة رشيق الألفاظ، ولا غرو فإن الأندلس أخرجت للأدب رجالا عظاما، تشم من مكتوباتهم أرج الغرب، وقد جمع أحد علماء المشرقيات من الإسبان تراجم الأندلسيين من العرب، فكانوا ثلاثين ألف عالم، وأديب، وفقيه، ومهندس، وطبيب ... إلخ من أصحاب المنزلة، وترجم الفتح بن خاقان (535) صاحب «قلائد العقيان» و«مطمح النفس» لبعض أولئك الأدباء بالأسجاع المطبوعة، كما ترجم لهم ولغيرهم ابن بسام في «الذخيرة»، واشتهر بالوزارة من الكتاب المجودين في بغداد الوزير علي بن عيسى، والوزير أبو الحسن بن الفرات، ولعلي بن عيسى «مذهب في الترسل لا يلحقه فيه أحد ولا ابن الفرات»، ومنهم أبو علي محمد بن خاقان، ومحمد بن عبد الملك الزيات إلى غيرهم من الكتاب النابهين والخاملين، وربما كان في الخاملين من هم أعلى كعبا من النابهين.
وممن اشتهر بنثره في هذا العصر الحريري (510) صاحب «المقامات» و«درة الغواص»، وقد رزق بالمقامات الحظوة التامة، ولكنها أيضا من النثر المتكلف لا المرسل، ولو خيرنا بين نثره ونثر حجة الإسلام الغزالي (505) لاخترنا كتابة الغزالي، ولا سيما في الجزء الثالث من «الإحياء»، ورسائله التي أبان فيها عن طبعه خصوصا «التفرقة بين الإسلام والزندقة» و«تهافت الفلاسفة» و«الرد على الباطنية»، أو نثر الراغب الأصفهاني في «الذريعة إلى مكارم الشريعة» و«تفصيل النشأتين» و«المحاضرات»، أو الماوردي في «أدب الدنيا والدين» و«الأحكام السلطانية»، وفي كلام الحريري مسحة من التعمل، قد يصل إليه معظم من جمعوا أدواته من اللغة وكلام العرب لو شاءوا أن يحصروا وكدهم، ويتعملوا في منثورهم، وكان ابن الخشاب يقول: إن الحريري رجل مقامات؛ أي إنه لم يحسن من الكلام المنثور سواها، فإن أتى بغيرها فلا يقول شيئا، ولعل جار الله الزمخشري (538) يفوقه بإجادة صناعة النثر، فسجعاته في «تفسيره» و«المفصل» و«أساس البلاغة» و«مقاماته» و«أطواق الذهب» و«الكلم النوابغ» و«الفائق» في الغاية من الرقة والجزالة، وكانت بينه وبين رشيد الدين الوطواط صاحب «الرسائل» المطبوعة المسجعة محاورات ومرادات، والزمخشري أرقى بيانا وأوسع علما، ويعد في كتاب هذا القرن أبو الفتوح بن الجوزي (597) الواعظ المؤلف، فإنه خلف كتبا كثيرة، ومنها كتاب «الأذكياء» و«أخبار الحمقى والمغلفين»، وأمثال هذه الكتب أشبه شيء بما يطلق عليه الإفرنج اسم
Folklore
أي العادات والتقاليد، ومن مثل هذا كثير في العربية ، مثل أخبار «عقلاء المجانين» للحسن بن حبيب المفسر، وقد حدثنا التاريخ أن كثيرا من الكتاب ولا سيما في القرون الأولى وضع حكايات أشبه شيء بقصص الغربيين اليوم، يقصدون بها تلقين فكر، أو بث دعوة، أو إحداث مشغلة للعامة؛ لصدهم عن البحث في شأن مهم للدولة، وقد صنفوا كثيرا في الأسمار والخرافات، منها ما عربوه عن فارس والهند والروم وبابل، ومنها ما ابتدعوه، ومنهم كتب روايات غرامية ذكروا فيها أخبار العشاق الذين عشقوا في الجاهلية والإسلام، ومنهم من ذكر الحبائب المتظرفات، أو اكتفي بأخبار العشاق الذين تدخل أحاديثهم في السمر، وصنع المتأخرون قصة ألف ليلة وليلة فاشتهرت في الغرب، ونقلت إلى معظم لغات أوروبا، كما اشتهرت في الشرق العربي، ومثل ذلك يقال في قصة السندباد البحري والظاهر وتغريبة بني هلال، إلى غير ذلك مما لا يعد في الأدب الراقي؛ لأنه كتب للعامة، ولم يكتبه كتاب مجودون.