تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإن ما كتبه المعري على ديوان أبي تمام الطائي، وسماه «ذكرى حبيب» وعلى ديوان أبي عبادة البحتري وسماه «عبث الوليد»، وما كتبه على ديوان أبي الطيب المتنبي وسماه «معجز أحمد»، يدل على إحاطة المعري بأسرار العربية، وفهم كلام العرب ومراميهم، وشدة ملكته في النقد الأدبي، دع فلسفته في «لزومياته» و«دواوينه»، فالمعري فيلسوف لغوي وليس بكاتب. ومنهم علي بن خلف صاحب «مواد البيان»، الذي نقل القلقشندي في صبح الأعشى جزءا مهما منه. •••

وتميز القرن الخامس بظهور كثير من الكتاب فيه، ومن أشهرهم الذين تركت الأيام لنا شيئا من كتاباتهم الأمير قابوس بن وشكمير (403) صاحب «كمال البلاغة»، فإن كتاباته هي الموسيقى برنتها والشعر الفتان، ولكن بدون قافية وروي، إلا أن الأسجاع غالبة عليه، مستحكمة في حواشي كلامه، آخذة بجماع أدبه خلافا للثعالبي (429) سيد كتاب هذا العصر، ومن أعظم مؤلفيهم في اللغة والآداب، فإن مقدمة كتابه «فقه اللغة» طبقة عالية في الكتابة المرسلة في عصره وبعده، ولو تخلى عن السجع في «يتيمة الدهر»، التي ترجم فيها أدباء عصره على نحو ما تركه في «المضاف والمنسوب» و«لطائف المعارف»، وغيرهما من كتبه ورسائله لما عيب عليه في شيء، ومثل ذلك يقال في ابن رشيق القيرواني (456) صاحب «العمدة» أحد أمهات كتب الأدب الذي انتقده أبو عبد الله بن شرف القيرواني في «رسائل الانتقاد»، وكان الناس في الدهر القديم يعتمدون على أربعة كتب لإتقان فن الأدب، «البيان والتبيين» للجاحظ، و«أدب الكاتب» لابن قتيبة، و«الكامل» للمبرد، و«الأمالي» لأبي علي القالي، ومن هذه الكتب الأربعة ما شرح ومنها ما اختصر، ومنها ما انتقد شرح «أدب الكاتب» لابن قتيبة بن السيد البطليوسي، وممن انتقدوا «آمالي القالي» أبو عبيد البكري صاحب «معجم ما استعجم»، في جزء لا يزال مخطوطا سماه: «التنبيه على أوهام أبي علي في أماليه.»

وممن توفي على رأس الأربعمائة أبو حيان التوحيدي، وهو مبتدع طريقة خاصة به قرأناها في كتاب «المقابسات» و«رسالة الصديق والصداقة» و«الإشارات الإلهية»، وذكر الثعالبي ثلاثة من كتاب آل بويه، وهم أبو القاسم عبد العزيز بن يوسف، وأبو أحمد عبد الرحمن بن الفضل الشيرازي، وأبو القاسم علي بن القاسم القاشاني، وأورد من كلامهم نموذجات لطيفة. ويعد في الطبقة الأولى من المؤلفين والكتاب المجيدين أبو الفرج الأصفهاني صاحب «الأغاني»، وأبو الحسن علي بن عبد العزيز صاحب كتاب «الوساطة» بين المتنبي وخصومه، والأمير عبد الله الميكالي فإنه من الكتاب المجيدين، والسجع غالب عليه، ومثله أبو النصر العتبي واضع «تاريخ ابن سبكتكين» المعروف باليميني، وهو التاريخ المسجع البديع، ويعد مؤلفه من أكبر المنشئين.

ومن كتاب هذا القرن ابن موصلايا (498)، وابن ناقيا (485)، والموفق بن الخلال صاحب ديوان الإنشاء على عهد الحافظ العبيدي بمصر، (وكانت له قوة على الترسل يكتب كما يشاء)، وكان الغالب على الموفق بن الخلال في رسائله العناية بالمعاني أكثر من طلب السجع، وكان فن الكتابة بمصر في زمن الدولة العلوية غضا طريا، وكان لا يخلو ديوان المكاتبات من رأس يرأس مكانا وبيانا، ويقيم لسلطانه بقلمه سلطانا، وممن أثرت بعض رسائله في هذا القرن هلال بن المحسن الصابي (448) حفيد أبي إسحاق صاحب الرسائل ومؤلف كتاب «أخبار الوزراء». ومن المجيدين في الإنشاء وإن عدهم الناس في طبقة الحكماء أحمد بن مسكويه (421) مؤلف «تهذيب الأخلاق» و«الفوز الأصغر» و«تجارب الأمم»، فإن كتابته، مثال الإنشاء المرسل البديع. ومنهم أبو طاهر محمد بن حيدر (517) صاحب «قانون البلاغة» وهو لم يطبع.

وفي هذا العصر نبغ في الأندلس الوزير ابن زيدون (463) في النظم والنثر، و«رسالته» على لسان ولادة بنت المستكفي بالله أديبة عصرها من المرقص المطرب، ومثل ذلك يقال في الوزير ابن حزم الأندلسي (456)، فإنه من أكتب العلماء في عصره، ومن المكثرين من التأليف المجودين فيه، وناهيك بكتابه «طوق الحمامة» و«رسالته في الأخلاق» دليلا على أدبه الراقي، ومثالا من إنشاء عصره الذي أشبه في الأدب عصر لويز الرابع عشر في فرنسا.

القديم والحديث · الصفحة ٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

القديم والحديثص ٤٧