تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن أهم من انتشرت كتبهم ابن قتيبة (276)، فهو ثاني الجاحظ بعلمه وجودة إنشائه وتأثيره، وفي كتابه «الإمامة والسياسة» و«كتاب العرب» و«مختلف تأويل الحديث» و«الأشربة» و«المعارف» و«عيون الأخبار» و«أدب الكاتب» ما يدل على روح سام، سار فيه الأدب مع العلم سيرا متساوقا. ويعد من كتاب الدرجة الأولى في القرن الرابع أحمد بن يوسف المعروف بابن الداية (340)، بغدادي الأصل، انتقل أبوه إلى مصر، وكان أحمد من كتاب الدولة الطولونية، وقد عرفناه من كتاب «المكافأة» الذي نشر له مؤخرا مع قطعة من كتابه «حسن العقبى»، وهي عبارة عن حكايات فيها حكمة ومواعظ واعتبار آية في البلاغة، ومنهم أبو بكر الصولي (335) صاحب كتاب «الأوراق» و«أدب الكتاب»، وأحمد بن عبد ربه (328) صاحب «العقد الفريد»، وجعفر بن قدامة ابن زياد الكاتب (319)، وعرفنا من أهل هذا القرن زمرة من الكتاب الذين زانوه بأقوالهم وأفضالهم، ومنهم أبو الفضل بن العميد وزير بني بويه (360)، وكان أبوه أيضا كاتبا مترسلا من كتاب الدولة السامانية، وابن العميد أول من فتح باب السجع، وأكثر من أنواع البديع، وكان يقال: فتحت الرسائل بعبد الحميد، وختمت بابن العميد. كما قيل: بدئ الشعر بملك؛ أي امرئ القيس، وختم بملك؛ أي أبي فراس الحمداني. وما قيل في ابن العميد يقال في الصاحب بن عباد (387)، فهو أيضا ممن تناغى بالجناس، وأكثر من الأسجاع، وكان يقول: كتاب العصر أربعة: الأستاذ الرئيس يعني ابن العميد، والأستاذ أبو القاسم يعني عبد العزيز بن يوسف، وأبو إسحاق يعني الصابي، ولو شئت لذكرت الرابع يعني نفسه.

ويجيء مع هذه الطبقة أبو بكر الخوارزمي (383)، وكان يميل إلى طريقة ابن العميد في الكتابة، و«رسائله» المطبوعة المشهورة مثال البلاغة والفصاحة على كثرة الأسجاع فيها حتى لا يكاد يعدوها، وقلما تفوته. وأما بديع الزمان الهمذاني (398) صاحب «الرسائل» و«المقامات» المشهورة، فإنه سار مع الطبع أكثر من الخوارزمي، وكثيرا ما يترك التسجيع وأنواع البديع، وإذا استعملها ففي مواطن خاصة وجمل معينة، ثم يعود إلى طبعه فتأخذ أقواله بمجامع القلوب، وأكثر ما قرأناه من «رسائل الصابي» (384) الصادرة عن الخلفاء وغيرهم، ومنها ما طبع على حدة، ومنها ما اقتبس في «صبح الأعشى»، قد أفرغ في قالب من السجع البديع المستملح، وقد يتخلى عنه في بعض التقاليد والعهود، ولو تيسر له أن يطرح السجع على طريقة البديع، لجاءت كتاباته مفخر الأسلاف، وأعظم معلم للأخلاف.

وممن نبغ في ذاك القرن أبو الفرج الببغا، وعبد الله بن عمرو الفياض - كاتب سيف الدولة ونديمه - وأبو القاسم علي الإسكافي النيسابوري، وكان من علو الرتبة في النثر وانحطاطها في النظم كالجاحظ، وعلي بن هند صاحب «الكلم الروحانية»، ويحيى بن عدي صاحب تهذيب الأخلاق أو سياسة النفس (364)، وابن حبان البستي (354) صاحب «روضة العقلاء»، والحاتمي صاحب «الرسالة الحاتمية» التي شرح فيها ما جرى بينه وبين أبي الطيب المتنبي، من إظهار سرقاته وإبانة عيوب شعره، والقاضي التنوخي (384) صاحب «النشوا» و«الفرج بعد الشدة»، وقدامة بن جعفر الكاتب (337) صاحب «نقد الشعر» و«كتاب الخراج»، وابن نباتة صاحب «الخطب » المشهورة، ومنهم أبو جعفر محمد بن العباس وزير المكتفي والمقتدر، وأبو منصور البغوي (75)، ورأس أدباء هذا القرن أبو العلاء المعري، والشعر غالب عليه، وكتابته مصنعة فيها كثير من عويص اللغة، وسبكها لا يخلو من يبوسة وجفاء طبع، ولكن «رسالة الغفران» التي كتبها ردا على رسالة ابن القارح - وكلاهما مطبوع - أشبهت رواية دانتي الشاعر الإيطالي

La divine comedie

وكانت من أعظم الروايات الخيالية الدالة على أن أعمى المعرة كان معلما لنابغة إيطاليا في الشعر والخيال، وبعض الباحثين من المتشرقين في أوروبا، على أن دانتي في روايته الإلهية المؤلفة من ثلاث روايات، وهي جهنم والمطهر والجنة التي ألفها بين سنتي 1300-1318م قد اقتبسها ولا سيما رواية جهنم من رسالة الغفران للمعري، ونسج على منواله في التصور.

القديم والحديث · الصفحة ٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

القديم والحديثص ٤٦