وكان يقال: بلغاء الناس عشرة عبد الله بن المقفع، وعمارة بن حمزة، وخالد بن يزيد، وحجر بن محمد، وأنس بن أبي شيخ، وسالم بن عبد الله، ومسعدة، والهزبر، وعبد الجبار بن عدي، وأحمد بن عدي، وأحمد بن يوسف. قال صاحب «الفهرست»: ومن البلغاء الحدث إبراهيم بن العباس الصولي، والحسن بن وهب، وسعيد بن عبد الملك، ولم يصل إلينا من كلام هؤلاء الجهابذة شيء يذكر اللهم إلا ما عرف من كلام ابن المقفع وأحمد بن يوسف والصولي، والباقون دثرت كتاباتهم إلا نتفا قليلة لا يبنى عليها حكم.
ومن كتاب هذا القرن أبو إسحاق الكاتب إبراهيم بن محمد المدبر وزير المعتمد على الله المتوفى سنة 279 - صاحب النظم الرائق والنثر الفائق - وهو صاحب «الرسالة العذراء في موازين البلاغة وأدوات الكتابة» التي نشرناها في «رسائل البلغاء».
وامتاز القرن الثالث بظهور الجاحظ (255ه)، الذي رزق الإجادة في كل ما كتب، وهو رب البديهة في أفكاره ومظاهر علمه وتقريره، ولم يعهد قبله أن تبرز الموضوعات المختلفة في هذا القالب الفتان، الذي يظهرها فيه غير متكلف ولا متعسف، وكلماته كلما كررتها حلت، وبقدر ما تتلوها تتجلى لك رقة معانيها ومتانة مبانيها، وتدهش وأنت تطالع كلامه من تملكه ناصية اللغة، وبراعته في استعمال الألفاظ في أماكنها، وربما تساهل فأورد ألفاظا عامية في معرض كلامه لينقل الأفكار بحالتها، ولم يكد يعهد مثله في المجودين من المؤلفين من يريك ببيانه الباطل حقا، والحق باطلا، يقول الشيء ونقيضه، ويقنعك في الأول حتى لا تظنك تقنع بعد بكلام، ويرجع عليك بكلم طيب، فينسيك ما أصاب في الأولى، وهكذا يلعب بالعقول كالسحر، ولكنه السحر الحلال.
افتح أي كتاب من كتب الجاحظ التي أبقتها الأيام للمكتبة العربية ذخرا وفخرا، تشهد العجب من تفننه وإبداعه، وتدرك كيف تستجيب له المعاني، وتنقاد الألفاظ برشاقتها وجزالتها، وقد يشوب كلامه ببعض الظرف والهزل والنوادر أحيانا لئلا يمل مطالعه، هكذا تراه في «كتاب الحيوان» و«البيان والتبيين» و«البخلاء» و«المحاسن والأضداد» و«الحاسد والمحسود» وغيرها من رسائله، وهي بضع وعشر رسائل مطبوعة، وكل صفحة من صفحاتها أفيد من مجلد برمته. وممن يجيء بعد الجاحظ أبو حنيفة الدينوري صاحب كتاب «الأخبار الطوال»، وأبو حنيفة أكثر ندارة، وأبو عثمان - الجاحظ - أكثر حلاوة، ومعاني أبي عثمان لائطة بالنفس، سهلة في السمع، ولفظ أبي حنيفة أعذب وأعرب، وأدخل في أساليب العرب، قال أبو حيان التوحيدي: والذي أقول وأعتقده وآخذ به وأساهم عليه، أني لم أجد في جميع من تقدم وتأخر إلا ثلاثة لو اجتمع الثقلان (؟) على تقريظهم ومدحهم، ونشر فضائلهم في أخلاقهم وعلمهم ومصنفاتهم ورسائلهم لما بلغوا آخر ما يستحقه كل واحد منهم، وذكر الجاحظ والدينوري وثلث بأبي زيد أحمد بن سهل البلخي، ووصف كل واحد بألفاظ عجيبة.
ومما امتاز به هذا القرن أن علوم الأوائل التي بدئ بترجمتها في منتصف القرن الأول في دمشق، بمعرفة خالد بن يزيد الأموي، وعني بها عمر بن عبد العزيز أواخره، قد زادت العناية بها في بغداد على عهد المنصور العباسي، ثم بلغت أشدها في زمن المأمون، وقد أدخلت هذه العلوم والصناعات في العربية روحا جديدا، فترجم إليها من اليونانية والسريانية والفارسية والهندية وغيرها، فاغتنت اللغة ورأت من الأساليب والأفكار ما لا عهد لها به ، وهذا أول تأثير من آداب الأمم الأخرى أصاب اللغة العربية، فأصبحت لغة علم وصناعة، بعد أن كانت لغة شعر وحكمة فقط، وعصر المأمون هو في الحقيقة العصر الذهبي في الأدب والكتابة والعلم وسائر مقومات الحضارة العربية.
قلنا: إن أحمد بن يوسف الكاتب هو من أوائل البلغاء، وقد أورد بعض رسائله الصولي في كتاب «الأوراق» المخطوط، وأورد له ابن طيفور صاحب «كتاب بغداد» المطبوع نموذجات من رسائله، وفي كتب التراجم المطولة شيء عن كتاباته المسجعة على مثال السجع، الذي يقع في كلام أئمة البلاغة في القرن الأول، وناهيك برجل أعجب المأمون بعقله وأدبه فاستوزره واستكتبه، والكتاب المجودون في هذا القرن كثيرون، ومنهم عمرو بن مسعدة وزير المأمون، «وكان كاتبا بليغا جزل العبارة وجيزها، سديد المقاصد والمعاني»، وصدق عليه ما قاله الرشيد في البلاغة: «البلاغة التباعد عن الإطالة، والتقرب من معنى البغية، والدلالة بالقليل من اللفظ على الكثير من المعنى»، وأبو علي الدامغاني الوزير، وأبو الفتح البستي «صاحب الطريقة الأنيقة في التجنيس النفيس البديع التأسيس».