تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال أبو عمر الطلمنكي: دخلت مرسية فتشبث بي أهلها يسمعون على الغريب المصنف، فقلت: انظروا من يقرأ لكم، وأمسكت أنا كتابي، فأتوني برجل أعمى يعرف بابن سيدة - وهو صاحب المخصص في اللغة الذي طبع مؤخرا - فقرأه علي من أوله إلى آخره فعجبت من حفظه. ولقد لازم ثعلب بن الأعرابي، فما رآه نظر في كتاب، وأخبار الأصمعي في الحفظ والرواية أشهر من أن تذكر، وكذلك خلف الأحمر والكلبي وعبيد ودعبل، وكان أبو تمام لا يلحق في محفوظاته، وقيل: إنه كان يحفظ أربعة عشر ألف أرجوزة للعرب، غير القصائد والمقاطيع، قال أبو الحسن محمد بن علي العلوي: كان المتنبي يلازم الوارقين، فأخبرني وزان كان يجلس إليه قال: ما رأيت أحفظ من هذا الفتى ابن عبدان السقي «المتنبي»، قلت له: كيف؟ قال: اليوم كان عندي وقد أحضر رجل كتابا من كتب الأصمعي، يكون نحوا من ثلاثين ورقة لبيعه، فأخذه فنظر إليه طويلا، فقال له الرجل: أريد بيعه وقد قطعتني عن ذلك، فإن كنت قد حفظته في هذه المدة فمالي عليك، قال: أهب لك الكتاب، قال: فأخذته من يده، فأقبل بهذه علي إلى آخره، ثم استلمه فجعله في كمه، وقام فتعلق به صاحبه طالبا بماله، فقال: ما إلى ذلك سبيل وقد وهبته لي، قال: فمنعناه منه وقلنا: أنت شرطت على نفسك هذا للغلام فتركه عليه، والأمثلة كثيرة في هذا الباب والله أعلم.

| الإنشاء والمنشئون1

إذا أردنا أن نحكم على المنشئين بما انتهى إلينا من خطبهم ورسائلهم ومحاوراتهم ومصنفاتهم، وبدأنا بأهل القرن الأول للإسلام، نرى على رأسهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - فإنه سيد البلغاء على الإطلاق، وواضع بنيان البيان العربي، وكلامه كما قال العارفون: بعد كلام الله وكلام رسوله - عليه الصلاة والسلام - أبلغ كلام، ونهج البلاغة

2

الذي جمعه الشريف الرضي من كلامه، وشرحه ابن أبي الحديد كتاب الدهر الخالد، وقد عد كثير من الصحابة أئمة في الكتابة والخطابة (راجع «إعجاز القرآن» للباقلاني و«الإتقان» و«المزهر» للسيوطي).

ولم يؤثر عن عصور الجاهلية خطب ورسائل كثيرة؛ لأن التدوين لم يحدث في الأمة العربية إلا في أوائل القرن الثاني للهجرة، وكانت العرب تعتمد على ذاكرتها ومحفوظها ورواياتها المتسلسلة، قال الرقاشي: ما تكلمت به العرب من جيد المنثور أكثر مما تكلمت به من جيد الموزون، فلم يحفظ من المنثور عشره، ولا ضاع من الموزون عشره، ومعظم الذي أبقته الأيام من أدب العرب لم يبرح محفوظا في الخزائن لم يطبع، وأكثره محفوظ في جامعات أوروبا ودور كتبها.

ختم القرن الأول بأمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، فإن رسائله الموجزة وخطبه الغراء التي نقلها ابن سعد في «الطبقات الكبير»، وابن الجوزي في «مناقبه» آية في البلاغة، وفيها من أدب العرب مسحة وطلاوة، ورسائله وخطبه في الإدارة والسياسة على قلتها، تربي فيمن يتدبرها ملكة الإنشاء، وتقف به على أصول الإدارة العربية، ومن بلغاء هذا القرن زياد بن أبيه، والحجاج بن يوسف الثقفي، وقطري بن الفجاءة، وعمران بن حطان، وهذان الأخيران من خطباء الخوارج، وقد استغرقت أخبار الخوارج الذين خرجوا على الخليفة الرابع يوم النهروان، جزءا مهما من كتاب «الكامل» للمبرد، تتمثل بها بلاغة الفوضويين والعدميين والشيوعيين في الإسلام.

جاء القرن الثاني وقد نبغ في أوله عبد الحميد بن يحيى الكاتب، وهو النهاية في البلاغة والفصاحة، اختط للناس خطة الترسل والإنشاء، ثم عبد الله بن المقفع الذي أسلست له الكتابة قيادها، فلم تعد له هنة واحدة في باب التكلف، بل كان في «اليتيمة» وسائر ما فاضت به قريحته من رسائله ابتداء، كما كان في ترجماته «كليلة ودمنة» طبقة عالية في البلاغة، ولو عمر بن المقفع (عاش ستا وثلاثين سنة) لأبقى لنا أمثلة في البيان ، يتخرج بها طلاب الأدب من العرب، على غابر الحقب، ونبغ في هذا القرن سهل بن هارون، وهو بالقليل الذي وصلنا من رسائله نابغة في علمه وأدبه، وناهيك بمن كان الجاحظ ينوه به، وينقل عنه في كتبه، وكان كثيرا ما يؤلف الكتاب وينسبه لسهل بن هارون فيجمع الناس على استحسانه، أكثر مما كان لو نسبه لنفسه، وكتابة سهل من السهل الممتنع، لا حوشي فيها ولا مبتذل، أو كما قال الجاحظ في الكتاب: «إنهم قد التمسوا من الألفاظ ما لم يكن متوعرا وحشيا، ولا ساقطا سوقيا»، ومن خطباء هذا القرن داود بن علي وشبيب بن شيبة، ومن كتابه إسماعيل بن صبيح كاتب الرشيد، وعمر بن مطرف كاتب المنصور، والمهدي، والهادي، والرشيد، وصالح بن جناح صاحب كتاب «الأدب والمروءة»، وكلامه رشيق دقيق مستفاد في الحكمة.

القديم والحديث · الصفحة ٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

القديم والحديثص ٤٤