وكان الأصمعي المتوفى سنة 318 أو قبلها صاحب لغة ونحو، وإماما في أخبار العرب وملحهم وغرائبهم، قال عمر بن شبة: سمعت الأصمعي يقول: أحفظ ستة عشر ألف أرجوزة، وقال إسحاق الموصلي: لم أر الأصمعي يدعي شيئا من العلم فيكون أعلم به منه، وحضر يوما عند الفضل بن الربيع هو وأبو عبيدة معمر بن المثنى فقال له: كم كتابك في الخيل؟ فقال الأصمعي: مجلدا واحدا، فسأل أبا عبيدة عن كتابه، فقال: خمسون مجلدة، فقال له: قم إلى هذا الفرس وأمسك عضوا عضوا منه وسمه، فقال: لست بيطارا، وإنما هذا شيء أخذته عن العرب، فقال للأصمعي: قم وافعل أنت ذلك، فقام الأصمعي وأمسك ناصيته، وشرع يذكر عضوا عضوا ويضع يده عليه، وأنشد ما قالت العرب فيه إلى أن فرغ منه. قال أبو حمدون الطيب بن إسماعيل: شهدت ابن أبي العتاهية، وقد كتب عن أبي محمد اليزيدي قريبا من ألف مجلد عن أبي عمرو بن العلاء خاصة، ويكون ذلك نحو عشرة آلاف ورقة؛ لأن تقدير المجلد عشر ورقات.
قال أبو نواس: ما قلت الشعر حتى رويت لستين امرأة من العرب، منهم الخنساء وليلى، فما ظنك بالرجال، قلت: ولذلك جاء شعر أبي نواس أحسن شعر المولدين، كما شهد له بذلك أصحاب الشأن في هذه الصناعة، وفي مقدمتهم الجاحظ الذي فضل شعره على شعر العرب العرباء، قال إسماعيل بن نوبخت: ما رأيت قط أوسع علما من أبي نواس ولا أحفظ منه، مع قلة كتبه. ولقد فتشنا منزله بعد موته فما وجدنا فيه إلا قمطرا فيه جزاز مشتمل على غريب ونحو.
قال أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب: دخل أبو عمرو إسحاق بن مراد الشيباني البادية، ومعه وستيجتان من حبر، فما خرج حتى أفناهما بكتب سماعه عن العرب، وكان أبو عمرو عالما بأيام العرب، جامعا لأشعارها، ويروى عن عمرو بن أبي عمرو قال: لما جمع أبي أشعار العرب كانت نيفا وثمانين قبيلة، وكان كلما عمل منها قبيلة وأخرجها إلى الناس كتب مصحفا بخطه، ويحكى أنه أخذ عن المفضل الضبي دواوين العرب، وسمعها منه أبو حيان، وابنه عمرو بن أبي عمرو الشيباني من العلم والسماع أضعاف ما كان مع أبي عبيدة، ولم يكن من أهل البصرة مثل أبي عبيدة في السماع والعلم، قال سلمة: أملى القراء كتبه كلها حفظا لم يأخذ بيده نسخة إلا في كتابين، ومقدار كتب الفراء ثلاثة آلاف ورقة، وكان مقدار الكتابين خمسين ورقة، ويقال: إن الأصمعي كان يحفظ ثلث اللغة، وكان الخليل يحفظ نصف اللغة، وكان أبو فيد يحفظ الثلثين، وكان أبو مالك يحفظ اللغة كلها، وكان الغالب على أبي مالك حفظ الغريب والنوادر. وكان ابن الأعرابي أحفظ الناس للغات والأيام والأنساب، وقال أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب: قال لي ابن الأعرابي: أمليت قبل أن تجيئني يا أحمد حمل جمل. وقال ثعلب: انتهى علم اللغة والحفظ إلى ابن الأعرابي. وقال ثعلب: سمعت ابن الأعرابي يقول في كلمة رواها الأصمعي: سمعت من ألف أعرابي خلاف ما قاله الأصمعي.
وكان قتادة عالما نحريرا، وأجمع الناس لأشعار العرب وأنسابهم، قال أبو عبيدة: ما كنا نفقد كل يوم راكبا من ناحية بني أمية ينيخ على باب قتادة، فيسأله عن خبر أو نسب أو شعر، وكان من أنسب الناس، وكان ابن الكلبي النسابة واسع الرواية، ومن أعلم الناس بالنسب، وكان من الحفاظ المشاهير، قال: حفظت ما لم يحفظه أحد، ونسيت ما لم ينسه أحد، كان لي عم يعاتبني على حفظ القرآن، فدخلت بيتا وحلفت ألا أخرج منه حتى أحفظ القرآن، فحفظته في ثلاثة أيام، وتصانيفه تزيد على مائة وخمسين تصنيفا وتوفي سنة 204.
وكان أبو عبيدة معمر بن المثنى من أعلم الناس بأيام العرب وأخبارهم وأشعارهم ، قال الجاحظ: لم يكن في الأرض خارجي ولا جماعي أعلم بجميع العلوم منه، ومع أنه كان يلحن ويخطئ إذا قرأ القرآن، وإذا أنشد بيتا لا يقيم وزنه، وإذا تحدث أو قرأ لحن اعتمادا منه؛ لذلك فقد صنف قرابة مائة مصنف، وكان يرى رأي الخوارج؛ ولذلك كثر الطاعنون في نسبه ومشربه ومذهبه وتوفي سنة 209.