تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذا كان مبلغ القوم في حفظ الحديث وروايته على كثرة المتشابه فيه، وتوفر الأسانيد والرواة، بحيث لو أراد أحد لهذا العهد أن يحفظ شيئا مما كانوا يحفظونه، لاختار استظهار اللغة الصينية واستسهلها أكثر؛ وذلك لضعف الحافظة من هذا المعنى وانقطاع سند هذه العلوم الجليلة إلا قليلا.

كان الحافظ أبو عامر محمد بن سعدون من أعيان حفاظ الإسلام، قال ابن عساكر: إنه أحفظ شيخ لقيه، وشيوخ ابن عساكر زهاء ألف ومائتي شيخ، وكان الفقيه أعلم الدين القمني، يحفظ ما سمعه من مرة واحدة، وكان الشافعي من أحفظ أهل دهره، قضى عشرين سنة في تعلم الأدب والتاريخ، وقال: ما أردت بهذا إلا الاستعانة على الفقه، ويروى أنه نظر في كتاب لأبي حنيفة، فما كان من الغد إلا أن غدا راويا له مستظهرا إياه بجملته. وابن دريد صاحب المقصورة من علماء اللغة كان آية من آيات الله في اتساع صدره للرواية، تقرأ عليه دواوين العرب، فيسارع إلى إملائها من محفوظه، وقيل: إن أحمد بن حنبل إمام المحدثين كان يحفظ ألف ألف حديث، قال سعيد بن جبير من أعلام التابعين: قرأت القرآن في ركعة في البيت الحرام، وقال إسماعيل بن عبد الملك: كان سعيد بن جبير يؤمنا في شهر رمضان، فيقرأ ليلة بقراءة عبد الله بن مسعود، وليلة بقراءة زيد بن ثابت، وليلة بقراءة غيره هكذا أبدا، ولا عجب وهو الذي قال فيه أحمد بن حنبل: قتل الحجاج سعيد بن جبير، وما على وجه الأرض أحد إلا وهو مفتقر إلى علمه.

وكان علي الرازي يقول: من فهم هذا الكتاب - يعني الجامع الصغير لمحمد - فهو من أصحابنا، ومن حفظه كان أحفظ أصحابنا، وإن المتقدمين من مشايخنا كانوا لا يقلدون أحدا القضاء حتى يمتحنوه، فإن حفظه قلدوه القضاء وإلا أمروه بالحفظ. وذكر صاحب فتح الطيب أنه كان خارج قرطبة ثلاثة آلاف قرية في كل واحدة منبر وفقيه مقلص تكون الفتيا في الأحكام والشرائع له، وكان لا يجعل القالص منهم على رأسه إلا من حفظ الموطأ، وقيل من حفظ عشرة آلاف حديث والمدونة. وكان بديع الزمان الهمذاني يحفظ خمسين بيتا بسماع واحد، ويؤديها من أولها إلى آخرها، وينظر في كتاب نظرا خفيفا، ويحفظ أوراقا ويؤديها من أولها إلى آخرها، وينظر في الأربعة والخمسة الأوراق من كتاب لم يعرفه، ولم يره نظرة واحدة خفيفة، ثم يهذها عن ظهر قلبه هذا ويسردها سردا، وهذا حاله في الكتب الواردة وغيرها، وكان أبو رياش أحمد بن إبراهيم من رواة الأدب، يحفظ خمسة آلاف ورقة لغة، وعشرين ألف بيت شعر، إلا أن أبا محمد المافروخي بذ عليه؛ لأنهما اجتمعا أول ما تشاهدا بالبصرة، فتذاكر أشعار الجاهلية، وكان أبو محمد يذكر القصيدة فيأتي أبو رياش على عيونها، فيقول أبو محمد إلا أن تهذها من أولها إلى آخرها، فينشد معه ويتناشدان إلى آخرها، ثم أتى أبو محمد بعدة قصائد، لم يتمكن أبو رياش أن يأتي بها إلى آخرها، وفعل ذلك في أكثر من مائة قصيدة حدثني بذلك من حضر ذلك المجلس معهما، قاله ياقوت في معجم الأدباء.

وكان الحفظ في كل فن شائعا بين أهل الأدب وطلاب العلم، على اختلاف ضروبه عند العرب، على نحو ما يتضح من تصفح سير رجالهم، ولو لم يكن استناد المؤلفين في الأغلب إلا على ما في لوح محفوظهم، لما تيسر لهم أن يؤلف أحدهم عشرات من المجلدات يعجز العالم اليوم عن نسخها، بل عن تصفحها.

فقد كان العرب قبل البعثة يروون قصائد شعرائهم وأغاني حداتهم، كما يؤخذ من اجتماعاتهم في سوق عكاظ ومربد البصرة، ولم تكن بضاعتهم من ذلك كثيرة؛ لأن أمراء الكلام لم ينبغوا إلا في الإسلام، بظهور نور النبوة وفصاحة الكتاب العزيز. ولقد كان الراوية والنسابة ينشد عشرات بل مئات من القصائد، كما يحفظ أحدنا لهذا العهد الأبيات القليلة غير متلعثم ولا متردد، خذ مثالا لذلك حمادا الرواية المتوفى سنة 155، فقد كان على قلة بضاعته من العربية يروي المئات من القصائد للجاهلين والمخضرمين، كما يروي فاتحة الكتاب، ويذكر أشعار العرب وأيامهم وأنسابهم ولغاتهم، كأنه يروي قصة، وكان ملوك بني أمية يرجعون إليه في هذا المعنى، ويحلونه منزلة عالية من التجلة والإكرام، روي أن الوليد بن يزيد الأموي قال له يوما وقد حضر مجلسه: بم استحققت هذا الاسم، فقيل لك الراوية فقال: بأني أروي لكل شاعر تعرفه يا أمير المؤمنين أو سمعت به، ثم أروي لأكثر منهم ممن تعترف أنك لا تعرفه ولا سمعت به، ثم لا ينشدني أحد شعرا قديما ولا محدثا إلا ميزت القديم من المحدث، فقال: ثم فكم مقدار ما تحفظ من الشعر؟ قال: كثير، ولكني أنشدك على كل حرف من حروف المعجم مائة قصيدة كبيرة سوى المقطعات من شعر الجاهلية دون شعر الإسلام، قال: سأمتحنك في هذا، ثم أمره بالإنشاد فأنشد حتى ضجر الوليد، ثم وكل به من استحلفه أن يصدقه عنه ويستوفي عليه، فأنشده ألفين وتسعمائة قصيدة للجاهلية، وأخبر الوليد بذلك، فأمر له بمائة ألف درهم، ونوادره كثيرة.

القديم والحديث · الصفحة ٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

القديم والحديثص ٤٠