تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كان أبو المحاسن الرؤباني (المتوفى سنة 502) من رءوس الأفاضل في أيامه يقول: لو احترقت كتب الشافعي لأمليتها من خاطري. وقال أبو بكر النحوي لما قدم الحسن بن سهل العراق، قال: أحب أن أجمع قوما من أهل الأدب، فأحضر أبا عبيدة والأصمعي، ونصر بن علي الجهضمي وحضرت معهم، وأفضنا مرة في ذكر الحفاظ، فذكرنا الزهري وقتادة ومررنا، فالتفت أبو عبيدة فقال: ما الغرض - أيها الأمير - في ذكر من مضى وبالحضرة ههنا من يقول ما قرأ كتابا قط، فاحتاج إلى أن يعود فيه، ولا دخل قلبه شيء فخرج عنه، فالتفت الأصمعي وقال: إنما يريدني بهذا القول أيها الأمير، والأمر في ذلك على ما حكى، وأنا أقرب إليك قد نظر الأمير فيما نظر فيه من الرقاع - وكان نظر قبل أن يلتفت إليهم في رقاع بين يديه للناس في حاجاتهم، فوقع عليها فكانت خمسين رقعة - وأنا أعيد ما فيها وما وقع به الأمير على رقعة رقعة، قال: فأمر وأحضرت الرقاع، قال الأصمعي: سأل صاحب الرقعة الأولى كذا واسمه كذا فوقع له بكذا، والرقعة الثانية والثالثة حتى مر في نيف وأربعين رقعة، فالتفت إليه نصر بن علي فقال: أيها الرجل، أبق على نفسك من العين. فكف الأصمعي.

وما لي وتعداد الأسماء على هذا النحو فكتب القوم طافحة بها، وإنما يكفي منها التمثيل والقليل يغني، ولقائل إن هذا القدر من الحفظ كان بعضه شائعا في القرنين الأولين والقرون الثلاثة، وقد بالغ فيه الرواة حتى اتصل بنا على هذه الصورة، وما حجتي في نقض هذا إلا وقوع أمثال أمثاله في كتب أهل القرون المتأخرة، مما تواطأ الثقات على نقله وتحرزوا في إثباته، ولقد كان الغرب في هذه المزية كالشرق؛ إذ قد حذا المغاربة في حضارتهم وعلومهم حذو المشارقة، فقد كان ابن عبدون - أحد فحول شعراء الأندلس وكتابها - مستكثرا من الحفظ، قال الوزير أبو بكر بن زهر: بينا أنا قاعد في دهليز دارنا، وعندي رجل شيخ أمرته أن يكتب لي كتاب الأغاني، فجاء الناسخ بالكراريس التي كتبها فقلت له: أين الأصل الذي كتبت عنه لأقابل معك به؟ قال: ما أتيت به معي، فبينا أنا معه في ذلك إذ دخل رجل بذ الهيئة عليه ثياب غليظة أكثرها صوف، وعلى رأسه عمامة قد لاثها من غير إتقان وقال لي: يا بني استأذن لي على الوزير أبي مروان، فقلت له: هو نائم، هذا بعد أن تكلفت جوابه غاية التكلف، حملتني على ذلك نزوة الصبا، وما رأيت من خشونة هيئة الرجل، ثم سكت عني ساعة وقال: ما هذا الكتاب الذي بأيديكما، فقلت له: ما سؤالك عنه فقال: أحب أن أعرف اسمه، فإني كنت أعرف أسماء الكتب، فقلت: هو كتاب الأغاني، فقال: إلى أين بلغ الكاتب منه؟ قلت: بلغ موضع كذا، وجعلت أتحدث معه على طريق السخرية به والضحك على قالبه، فقال: وما لكاتبك لا يكتب، قلت: طلبت منه الأصل الذي يكتب منه لأعارض به هذه الأوراق فقال: لم أجيء به معي، فقال: يا بني خذ كراريسك وعارض، قلت: بماذا وأين الأصل، قال: كنت أحفظ هذا الكتاب في مدة صباي، قال: فتبسمت من قوله فلما رأى تبسمي قال: يا بني أمسك علي، قال: فأمسكت عليه وجعل يقرأ فوالله إن أخطأ واوا ولا فاء، قرأ هكذا نحوا من كراسين، ثم أخذت له في وسط السفر وآخره، فرأيت حفظه في ذلك كله سواء فاشتد عجبي، وقمت مسرعا حتى دخلت على أبي فأخبرته بالخبر، ووصفت له الرجل فقام كما هو من فوره، وكان ملتفا برداء ليس عليه قميص، وخرج حاسر الرأس حافي القدمين لا يرفق على نفسه وأنا بين يديه، ويقول: يا مولاي أعذرني فوالله ما أعلمني هذا الخلف إلا الساعة، وجعل يسبني والرجل يخفض عليه ويقول: ما عرفني، وأبي يقول: هبه ما عرفك فما عذره في حسن الأدب، ثم أدخله الدار وأكرم مجلسه وخلا به فتحدثا طويلا، ثم خرج الرجل وأبي بين يديه حافيا، حتى بلغ الباب وأمر بدابته التي يركبها، فأسرجت وحلف عليه ليركبنها، ثم لا ترجع إليه أبدا، فلما انفصل قلت لأبي: من هذا الرجل الذي عظمته هذا التعظيم؟ قال لي: اسكت، ويحك، هذا أديب الأندلس وإمامها وسيدها في علم الآداب، هذا أبو محمد عبد المجيد بن عبدون أيسر محفوظاته كتاب الأغاني. رواها المراكشي.

القديم والحديث · الصفحة ٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

القديم والحديثص ٤٢