تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومما يضحك ما وقع لولد أحد كبار المنشئين الفرنسويين وكان يدرس الألمانية على طريقة برليتز، قيل: إنه لما بلغ به المعلم إلى تمييز الفعل المتعدي من اللازم، لم يفهم التلميذ المراد من المتعدي واللازم، وأخذ معلمه يشرحهما له بالإشارة تارة والتشبيه طورا، فلم يفلح، وكان تلميذه معه كأعجم طمطم لا يفهم ولا يفهم، وأبى الأستاذ على تلميذه أن يفسر له شيئا بلغته مع إلحاحه عليه في ذلك، وراح الطفل إلى دار أبيه، وقد بلغ منه الغيظ وأنشأ يقلب كتاب نحوه يفتش عن الأشكال، فاهتدى بنفسه إلى حله وشكا أمره إلى والده، فقال له: أي بني لقد أحسن الأستاذ أن أبى عليك شرح ما يريد تعليمك بلغتك، ولو قاله لك لعزب عن ذهنك، وأصبح لديك بعد زمن نسيا منسيا، أما الآن فإني على ثقة من أنك لا تنس التفرقة بين الفعل اللازم والمتعدي ولو بعد مائة سنة.

قال الكاتب الذي عربنا عنه أكثر هذا المبحث: وقد كان أرباب الأفكار والحصافة يجمعون على أن اللغات الحية لا تعلم كاللغات الميتة، بل إنه لا بد في الأولى من المران على التكلم بها من أول وهلة، وإنه ما من لغة مهما تراءى من صعوبتها على المتعلمين لأول الأمر، سواء كانت اللغة الروسية، أو الهندية، أو العربية، أو الصينية إلا ويتيسر إتقانها على طريقة برليتز في مدة تختلف باختلاف ذكاء المتعلم وصعوبة اللغة، والله أعلم.

| اللغات الإفرنجية1

لهجت بعض الألسن في منافع اللغات الأوروبية ومضارها في مجتمعنا، عقيب أن قام صاحب المؤيد في الجمعية العمومية في الربيع الماضي، وناقش ناظر معارف مصر في وجوب تعليم العلوم في المدارس الأميرية باللغة العربية، فكان من أثر ذاك الحوار أن بطلت دروس الأشياء وجعل تدريس علم تقويم البلدان باللغة العربية في المدارس الابتدائية، كما شرع في تعليم الرياضيات في السنين الأولى من المدارس الثانوية باللغة العربية أيضا.

فقام بعض الناس متخذين من هذا الإصلاح حجة على قلة غناء اللغات الإفرنجية، زاعمين أن في العربية ما يكفيها من العلوم، على حين كان ما دعا إليه الداعون من التدريس بالعربية لمقصد آخر، أريد به إحياء لغة البلاد إذا درست العلوم بها، وإشراب نفوس المتعلمين حب أمتهم؛ ليعم النفع مما يتعلمون لا التنفير من تعلم اللغات الإفرنجية التي لا يمتري عاقلان في وجوب تعلمها على فريق كبير من الناس، ولا سيما من تصدوا للنفع والتأليف والكتابة على نحو ما يفعل علماء اليابان، فيتعلمون الإنكليزية كما يتعلمون لغتهم الأصلية.

نقول تعلم اللغات الأجنبية وما أحرانا أن نقول إتقانها؛ لأن المبادئ البسيطة منها قد لا تفيد المتعلم إلا توهمه أنه أصبح من العارفين، فإن تعوذ علماؤنا قديما من نصف فقيه، ونصف صوفي، ونصف كاتب، ونصف شاعر، فما أحرانا أن نتعوذ من ناشئ يتعلم طرفا من لغة لا يستفيد منها ولا يفيد. وليس معنى هذا أنه يتحتم وجوبا على كل متعلم للغة أجنبية أن يكون فيها مؤلفا خطيبا كاتبا مترجما، فهذا مناف لسنة الكون، ولكن المطلوب أن يعرف الناس في تعلم إحدى اللغات الأوروبية القدر الذي يؤهلهم للانتفاع بها في التجارة وأعمال الإدارة والقضاء والعلم.

ولا مشاحة في أن أكثر من تعلموا اللغات الأجنبية من أبنائنا لم يتقنوها وإن حذقوها، فلا يكون لهم من المعرفة بلغتهم ما يستطيعون معه أن يعبروا به عن أفكارهم، وينقلوا إليها ما يعوزها من علوم الغرب وحضارته، بيد أن اللغة وإن أتقنها صاحبها لا تنفعه وينتفع بها النفع المطلوب إلا إذا أضاف إليها علما أو فنا أخصى فيه، واللغة آلة لا غاية، وإن كان من يتقن لغة أوروبية لا يتسنى له ذلك إلا بعد أن ينظر نظرة إجمالية في الفنون المتعارفة، أما ما يقوله بعض من لا يساعدهم الوقت على تعلم لغة أجنبية، من أنه ليس في النقل من اللغات الغربية كبير أمر، وأن العالم يستفيد من الوجود أكثر من استفادته مما دونه كبار أرباب العقول من أمم الحضارة، فهذا من الآراء التي يقصد بها الاعتذار عن التقصير، ومن جهل شيئا عاداه؛ إذ من الثابت المقرر أننا مهما تأملنا في صحيفة الكون، لا نستطيع أن ندرس فيه نظام الاجتماع ولا تقنين القوانين، ولا الطب، ولا الهندسة، ولا الفلك، والطبيعة والكيمياء، وفنون الأدب والتاريخ ورسم الأرض وغيرها من الفروع الكثيرة التي لا أسماء لها في العربية؛ إذ لم يكن للعرب عهد بها، ولا تتم سعادة مجتمع اليوم إلا بتعلمها وإتقانها، ومن قال بأن أسلافنا من العرب قد أجالوا في هذه العلوم قداح أنظارهم ووضعوا فيها ما وضعوا من رسائلهم وأسفارهم، فهو على صواب وخطأ؛ وذلك أن أجدادنا قاموا بالواجب من خدمة هذه العلوم في عصر تماسكهم وانبساط ظل دولتهم، إلا أنه انقطعت سلسلتها بعد القرن السادس إلى منتصف القرن الثالث عشر للهجرة، وهي القرون التي كانت فيها الأمة العربية في غفلة، والأمم الغربية في انتباه، فأخذ الغرب عن الشرق ما عنده من حضارة، وزاد عليها أضعافا، ولا يزال يركض طرف عقله في مضمار البحث والاستقراء، ويعاني من ضروب العلم ما نحن فيه معه أجهل من تلميذ مبتدئ بالتهجئة بالنسبة إلى عالم يكتب الكتاب ويقصد القصيد.

القديم والحديث · الصفحة ٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

القديم والحديثص ٣٤