تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالأمة العربية إذا أرادت النهوض العقلي والعلمي، يجب عليها أن تأخذ من كل علم بالسهم الأوفر، ولا يتم لها ذلك إلا بالنقل عن الأمم الغربية، وهذا لا يتأتى إلا بعد أن تخرج مدارسنا الألوف من الطلبة المتعلمين على الأساليب الحديثة؛ لينشأ لنا منهم عشرات يكونون لنا عونا على ما ينقصنا من أسباب نهضتنا، وما تشتد حاجتنا إليه، ويكاد ذلك إلى الآن يعد مفقودا بيننا، اللهم إلا طائفة من أسفار نقلها بعض المولعين بالعربية، وما يتيسر للمجلات تعريبه من حين إلى آخر من علوم الغرب، وكله دون حد الكفاية بكثير.

قال ابن رشد في فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال: إذا تقرر أنه يجب بالشرع النظر في القياس الفقهي، فبين أنه إن كان لم يتقدم أحد من قبلنا بفحص عن القياس العقلي وأنواعه، أنه يجب علينا أن نبتدئ بالفحص عنه، وأن يستعين في ذلك المتقدم بالمتأخر حتى تكمل المعرفة، فإنه عسير وغير ممكن أن يقف واحد من الناس من تلقاء نفسه، وابتداء على جميع ما يحتاج إليه من معرفة أنواع القياس الفقهي، بل معرفة القياس العقلي أحرى بذلك وإن كان غير ناقد فحص عن ذلك، فبين أنه يجب علينا أن نستعين على ما نحن بسبيله بما قاله من تقدمنا في ذلك، وسواء كان ذلك الغير مشاركا لنا أو غير مشارك في الملة، فإن آراءه التي تصح بها التزكية، ليس يعتبر في صحة التزكية بها كونه آلة لمشارك لنا في الملة أو غير مشارك، إذا كانت فيها شروط الصحة، وأعني بغير المشارك من نظر في هذه الأشياء من القدماء قبل ملة الإسلام.

وإذا كان الأمر هكذا، وكان كل ما يحتاج إليه من النظر في أمر المقاييس العقلية قد فحص عنه القدماء أتم فحص، فقد ينبغي أن نضرب بأيدينا إلى كتبهم، فننظر فيما قالوه من ذلك، فإن كان كله صوابا قبلناه منهم، وإن كان فيه ما ليس بصواب نبهنا عليه، فإذا فرغنا من هذا الجنس من النظر وحصلت عندنا الآلات التي بها يقدر على الاعتبار في الموجودات ودلالة الصنعة فيها، فإن من لا يعرف الصنعة لا يعرف المصنوع، ومن لا يعرف المصنوع لا يعرف الصانع، فقد يجب أن نشرع في الفحص عن الموجودات على الترتيب والنحو الذي استفدناه من صناعة المعرفة بالمقاييس البرهانية، وبين أيضا أن هذا الغرض إنما يتم لنا في الموجودات بتداول الفحص عنها واحدا بعد واحد، وأن يستعين في ذلك المتأخر بالمتقدم على مثال ما عرض في علوم التعاليم، فإنه لو فرضنا صناعة الهندسة في وقتنا هذا معدومة، وكذلك صناعة علم الهيئة ورام إنسان واحد من تلقاء نفسه أن يدرك مقادير الأجرام السماوية وأشكالها، وأبعاد بعضها عن بعض، لما أمكنه ذلك مثل أن يعرف قدر الشمس من الأرض، وغير ذلك من مقادير الكواكب، ولو كان أذكى الناس طبعا إلا بوحي أو شيء يشبه الوحي، بل لو قيل: إن الشمس أعظم من الأرض بنحو 150 ضعفا أو ستين، يعد هذا القول جنونا من قائله.

وهذا شيء قد قام عليه البرهان في علم الهيئة، قياما لا يشك فيه من هو من أصحاب هذا العلم، قال: «وهذا أمر بين بنفسه ليس في الصنائع العلمية فقط وفي العملية، فإنه ليس منها صناعة يقدر أن ينشئها واحد بعينه، فكيف بصناعة الصنائع وهي الحكمة، وإذا كان هذا فقد يجب علينا إن لقينا لمن تقدمنا من الأمم السالفة نظرا في الموجودات واعتبارا لها بحسب ما اقتضته شرائط البرهان، أن ننظر في الذي قالوه من ذلك وما أثبتوه في كتبهم، فما كان منها موافقا للحق قبلناه منهم، وسررنا به وشكرناهم عليه، وما كان منها غير موافق للحق نبهنا عليه وحذرنا منه وعذرناهم.»

هذا ما قاله الفيلسوف الإسلامي في عصر كان العرب أساتذة العلم في العالم، وقوله - كما رأيت - غاية الحكمة، وما الغربيون الآن بالنسبة إلينا إلا قدماء متقدمون، وبهديهم يجب علينا أن نهتدي في العلوم، وهذا لا يقدح فيما خلفه لنا أسلافنا من آثارهم أيام استبحار عمرانهم واتساع سلطانهم، أما اللغات الحديثة التي تشتد حاجتنا إلى الأخذ منها فهي الإنكليزية، والإفرنسية، والألمانية، وفي كل لغة من هذه اللغات من أنواع المعارف ما لا يكاد يحلم به من لا يعرف لغاتهم .

القديم والحديث · الصفحة ٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

القديم والحديثص ٣٥