تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واللغة بموجب هذه الأصول الجديدة عبارة عن محادثة دائمة باللغة الغريبة، فكل ما يقع نظر التلميذ عليه مباشرة، يكون له منه مادة درس وموضوع تعلم، وذلك بتربية الأذن والحواس الصوتية، فيلقن الأستاذ تلميذه حسن اللفظ وسرعة التركيب، فيدرس الأفعال الأولى بالأعمال والحركات، يقوم ويذهب إلى اللوح الأسود فيكتب، أو يفتح الباب، ويرفع الكتاب ويضعه، ثم تعرض على سمعه مشاهد الحياة اليومية، فيسهل عليه تأليف جمل صغيرة يتزايد كل يوم عددها بسرعة، فيكون التلميذ بهذه الطريقة في تأليف الجملة ما يلزمه من أوليات القواعد والروابط، والأمم بأسرها تتعلم لغاتها بالعمل أولا ثم بالنظر، فيتعلم المتعلم ما تمس حاجته إليه إلى أن يكتب بدون غلط، أو يتعلم التلميذ أولا معاني الكلمات الغريبة، ثم يلقى التمرينات العديدة بعد معرفة اللغة معرفة فطرية فمعرفة عقلية، ومن اللازم اللازب الاعتياد على الصور قبل القواعد، ثم يبدأ المعلم بالسؤال فيجيبه المتعلم، ولا يزالان ينتقلان من البسيط إلى المركب، ومن شرح المفردات إلى تفسير العبارات، ويكون كل ذلك باللغة التي يراد إتقانها.

وللفظ في هذه الطريقة المقام الأعلى، ولم يكن يعنى بتقديمه من قبل، والأساتذة الذين يحسنون التلفظ بلغة ما هم ممن تعلموها من الأسلوب الطبيعي في طفوليتهم، أو أتقنوها بمقامهم في البلاد التي تتكلم فيها تلك اللغة، وجودة التلفظ هو روح اللغة على التحقيق، ولا تعد العبارة شيئا مهما بلغت من الضبط متى قبح اللفظ وتجلت اللهجة الأعجمية فيه عيانا، ومن المؤكد أن التلفظ لا يكاد يصلح إذا فسد لأول مرة ، وصعب على الإنسان ما لم يعود، فالطريقة المشار إليها مغايرة لطريقة الترجمة المألوفة في الأغلب؛ إذ كل معرفة يرشد إليها المتعلم على هذه الصورة لا تحسب ناقصة الجهاز مشوشة الأسلوب، وقلما تجد الألفاظ في لغة ما يقابلها في لغة ثانية، ولكل لغة اصطلاحاتها الخاصة بها، ليس للترجمة مهما أتقنت أن تنقلها على أصلها؛ إذ التصورات التي تمثلها لغة لا تتحد مع تصورات تمثلها ألفاظ لغة أخرى اتحادا ذاتيا معنى ومبنى، كتب أحد الغرباء إلى فنلون العالم الفرنسوي المشهور: «إن لي منك يا مولاي أمعاء والد» يريد أن يقول «قلب والد»، وقال الفونس الثاني عشر ملك إسبانيا وقد جاء قصره في يوم احتفال: «أتود أن تتعب معي نحو النافذة» يعني بذلك أن تقترب نحو النافذة.

ولو تعلم ذاك الكاتب وهذا الملك أن يتكلما الإفرنسية على طريقة الأستاذ برليتز إذن لنجيا من هذا الغلط الشائن، وكان شأنهما في سهولة التعبير وجودة التصوير شأن أولئك التجار والسوقة، ممن ينزلون بلادا لا يحسنون لغتها، فما هو إلا قليل حتى يمرنوا على تكلمها زمنا فيحسنونها، ولا إحسان من تعلموها على دكات المدارس، وهو يقلبون المعاجم ويتأبطون كتب نحوها وصرفها وبيانها، ناقلين ناسخين مستظهرين ناسين. وطريقة برليتز هذه أن يستعمل أولا اللغة المتعلمة خاصة، وأن يتابع التصور في اللغة الغريبة مباشرة بدون وساطة اللغة الأصلية، وأن تعلم أسماء الأعيان بقوة الحس، وتعلم أسماء المعاني بتتابع التصور أو يدرس النحو بالأمثلة والشواهد.

هذا مذهب الأستاذ برليتز في إتقان ملكة اللغات، وقد انتقل من نيويورك إلى باريز عام 1889، فأسست في هذه العاصمة أول مدرسة على تلك الطريقة، وانتقل هذا المذهب في تلك السنة إلى إنكلترا وألمانيا، فأسست في كل من لندن وبريس مدارس لهذا الغرض، وما برحت مدارسها تتكاثر في الأصقاع الأوروبية، حتى كانت في بدء هذه السنة 343 مدرسة في أوروبا وحدها، وكلها أسفرت عن ارتقاء واقتصاد في الوقت والمال، وطريقة القائمين بهذا الأمر أن يكون لكل تلميذ أستاذه الخاص به، فيأخذ هذا يعلم تلميذه ما يقع نظره عليه في قاعة الدرس، من منضدة، وكرسي، وكتاب، وباب نافذة، يلفظها بلغتها ولا يزال يكررها المتعلم حتى يتقن التلفظ، فإذا نفدت المسميات لدى الأستاذ في الغرفة يعمد إلى صور سهلة واضحة رسمت على صفحات مجموعة، فما هو إلا أن يتعلم التلميذ أسماء الأشياء الواقعة تحت بصره مع الألوان التي يمتاز بها كل منها، ثم ينتقل إلى صفات الجسم وأفعال الحركات والأعداد، فإذا أنجز درس الأشياء يشرع المعلم في اختيار جمل يكون التلميذ قد عرف أكثر مفرداتها، فلا يمضي ثلاثون درسا إلا وقد عرف التلميذ الأفعال الشائعة في الاستعمال والمفردات التي تدخل غالبا في الأحاديث العامة، ويتمكن في ستين درسا من بيان فكره أصح بيان في كل حالة علاقة بمجرى الحياة الاجتماعية العادي، ويحسن في اختيار المعلمين أن يكونوا ممن لا يعلمون لغة المتعلم.

القديم والحديث · الصفحة ٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

القديم والحديثص ٣٣