تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

7

والنزاع بين الفلامنديين والفالونيين على أتمه بشأن اللغة، فتجد الفلامنديين سكان الفلاندر من أحرص الأمم على لسانهم، وقد حاولت البلجيك بعد سنة 1830 أن تفنلس الفلاندر، فثارت هذه على كل ما أريدت عليه، ولم تستطع ذلك، بل احتفظت بروحها، وأخلاقها، وأفكارها، وتقاليدها، وعواطفها، وأساليب تصورها، قال شاريو: الأمة بلغتها، وما من أمة بدون لغة. ولذلك تجد الجدال قائما قاعدا في فنلندا، وبولونيا، والنمسا، والمجر، وسويسرا، وإسبانيا، بل وفي كل مكان في هذا الشأن.

دعا نابليون الأول أرض بلجيك بأنها ساحة حروب أوروبا، وسماها اليزمركلو ساحة اختبار أوروبا، وسماها بعضهم مغرس بقولها، كما سموا الأندلس حديقة زهرها ، وكما أصبحت سويسرا بالعلم مصيف أوروبا ومشتاها.

قلنا: إن اللسان منبع الخصام بين كثير من الأمم المختلطة العناصر، ومع أن في سويسرا ثلاثة عناصر: وهي الألماني، والفرنساوي، والإيطالي، وأربع لغات: وهي الألمانية، والإفرنسية، والإيطالية، والرومانشية، فإنها أشبه بفسيفساء من الشعوب، تلاقت وامتزجت وتعاشرت، ونشأت من هذه العناصر الممزوجة روح سويسرية؛ أمر غريب لم يعهد له نظير في أمة من الأمم، وأغرب منه أن ثلاثة من فلاحي سويسرا يؤسسون هذه الجمهورية السعيدة منذ عشرة قرون، فتبلغ بالعلم هذه الدرجة من الرقي، وما أظن في الأرض أمة سعدت بحكومتها كالأمة السويسرية، ولا شعبا أكثر لطفا من أهلها وهم في غناهم واقتصادهم يعلمون الأمم الغنية المقتصدة. وكان امتزاج الفكر الجرماني بالفكر اللاتيني من آكد الأسباب في هذا التركيب الغريب، فأخذ السويسري عن الألماني صفات التدين والرزانة والشعور بالتضامن، والنظام والثبات، والرغبة في الماديات والحقائق، واقتبس من العنصر اللاتيني تقاليد البشاشة والأدب، وصحة الحكم، وحسن التقليد والظرف، ولم تصبح سويسرا جمهورية، بل فسيفساء مؤلفة من عدة جمهوريات صغرى، ملونة براقة غريبة في حجمها ونظامها وأفكارها وأخلاقها السياسية.

8

هذا مثال من تشدد الأمم حتى الصغرى منها في عادتها ولسانها، فأحر بالعرب أن يحافظوا على شخصياتهم، وكانوا في القديم أشبه بأمة الرومان يفتحون البلاد ويدخلون إليها من عاداتهم وأخلاقهم ما هو في استطاعتهم، ويأخذون عنها ما ينفعهم وما لا غنى لهم عنه، فأصبحت بلادهم مهد الوطنية السياسية في أيامهم، كما هي الحال اليوم عند الأمم التي عظمت فيها الحكومة، وانحصرت السلطة في رءوسها، وأعظم مثال لها الأمم الفرنسوية، والألمانية، والروسية، والطليانية، والإسبانية، كما قال ديمولان في كتابه سر تقدم الإنكليز السكسونيين: وكل أمة في القديم والحديث تأخذ من غيرها ما يناسبها، أو تدخله الأحوال في روحها وجسمها على غير شعور منها، فإنا شاهدنا في الأوروبيين مثالا مجسما من هذا المعنى.

قال جول هوري:

9

يمكن إرجاع الأمم الرئيسة في أوروبا إلى ثلاثة عناصر مختلفة: العنصر اللاتيني، والعنصر الجرماني، والعنصر الإسكلافوني. فالعنصر اللاتيني هم الطليان، والفرنسيس، والإسبانيون، والبرتغاليون ، وقد ورثوا من الرومان مدنيتهم ولسانهم، والألمان، والسويسريون، والإنكليز، والسويدان، والدانمركيون، والهولانديون هم من الشعوب التويونية، والروس والبولونيون هم من الشعوب الإسكلافونية. وإن الأمم التي كان تهذيبها العقلي من أصل لاتيني، هي أعرق في المدنية من غيرها، ورثت، إلا قليلا، من ذكاء الرومان ومهارتهم في إدارة أعمال هذا العالم، وقبل أن تتأصل فيهم النصرانية قاموا بإنشاء معاهد اجتماعية بنيت على أساس الوثنية.

ولما جاءت أمم الشمال تفتح بلادهم قبلت هذه الأمم أخلاق البلاد التي افتتحتها، قال: وهذه الملاحظات تختلف، ولا شك باختلاف الأهوية والحكومات والحوادث التاريخية، فقد أثرت سلطة الكنيسة مثلا في إيطاليا آثارا لا تمحى، وكان من نتائج الحروب الطويلة مع العرب أن قويت العادات العسكرية، وفكرة الإقدام على العظائم في الإسبانيين. ويقال بالإجمال: إن هذا الجزء من أوروبا الذي اشتقت ألسنته من اللسان اللاتيني وامتزج منذ الزمن الأطول بسياسة رومية، تقرأ في صفحاته آثار مدنية قديمة كانت فيما مضى وثنية، وإذا كانت الأمم الجرمانية قاومت سلطة الرومان لم تتشبع بالمدنية إلا مؤخرا، دخلتها من طريق انتشار الديانة المسيحية، فلم تلبث في الحال أن انقلبت من نوع من البربرية إلى مجتمع مسيحي. أما مدنية الإسكلافونيين فهي أحدث المدنيات وأسرعها من سائر مدنيات الشعوب؛ ولذلك لا تزال ترى فيها حتى اليوم آثار النقل والاحتذاء، وتفقد فيها صفات الإبداع والاختراع. •••

القديم والحديث · الصفحة ٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

القديم والحديثص ٢٠