تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فلا التربية ولا الأوضاع ولا المعتقدات ولا غير ذلك من الأسباب التي يتذرع بها الأوروبيون للتأثير في الشرق تفيد في تمدينه؛ ولا سيما في الشعوب المنحطة منه. وحالة اليابان لا تقوم دليلا على نقض هذه القضية؛ لأن اليابان وقد بلغت درجة راقية في المدنية، كان السبب في تمدنها أنها قبلت نتائج المدنية الغربية بجملتها دفعة واحدة، فلم تغير في الحقيقة قوانينها الأساسية ولا معتقداتها ولا أخلاقها، فهي تشبه شريفا من أرباب الإقطاعات عاد إلى الحياة بعد موته، فتعلم استعمال القاطرات وإطلاق المدافع.»

هذا رأي الفيلسوف غستاف لوبون في مدنيتنا وحالتنا الاجتماعية، وتأثرنا بالمدنية الغربية وصلاتنا مع أهلها وصلاتهم معنا. وهو - كما ترون - صحيح من أكثر وجوهه، لا شائبة للتعصب والتقاليد فيه. وقد حمد حالتنا من حيث تكوين الأسرة والبيوت والسذاجة، وعسانا اليوم وقد زاد اختلاطنا بالغرب لا نأخذ منه إلا ما تمس حاجتنا إليه، ونبقي على القديم النافع، فقد قيل: إن القوة الحقيقية في كل مملكة ما عرفت به من الأخلاق الطبيعية. وتقليد الأجانب على أي صورة كانت عار على الوطنية.

لم يخل عصر من العصور من اختلاط العرب بالغرب، سواء كان بطرق الفتح أو التجارة، أو طلب العلم، أو للجوار، وقد قصد أوروبا كثير من رجالنا منذ زهاء عشرة قرون، وكذلك الأوروبيون وصلوا إلى بلادنا منذ القديم. وكان الطليان أسبق الأمم إلى هذا الاختلاط - كما رأيتم - ومع أنه على أتمه ولا سيما منذ استولى نابليون على مصر وجانب من الشام، لم يبرح الشرق شرقا والغرب غربا؛ أخذوا منا وأخذنا منهم، ولكن ما أخذوه عنا مزجوه في حضارتهم، وكذلك كانت حالنا معهم، وما اقتبسناه من نور علومهم وأساليب تربيتهم في القرن الماضي وهذا القرن.

ولا غضاضة علينا إذا وقفنا معاشر العرب مع الغرب عند حد الأخذ من حضارته وعاداته؛ فإن التخوم إذا تناءت تختلف أهويتها وطباع أهلها، فما يفيد من القوانين هنا لا يطبق على سكان ما وراء النهر مثلا، وما ينفع سكان الأرجنتين لا يتأتى تطبيقه على أهل الصين.

ومن أسرار هذا الكون أن كل أمة تحرص على سلطانها ولسانها وأوضاعها، وتدافع عنها جهدها. والوقائع التاريخية الكبرى تظهر آثارها في الأمم حتى بعد قرون، فغارات الصليبيين والتاتار على هذا الشرق الأقرب أثرت فيه قرونا، وغارات العرب على أوروبا أثرت فيها، بحيث يشهد التاريخ أن العرب يوم زحزحوا عن بواتيه في فرنسا على يد شارل مارتل هم غيرهم يوم جلوا عن أرض الأندلس.

إذا كان الاختلاف طبيعيا بين أهل قطرين لسان كل منهما يختلف عن صاحبه، أما العادات والتقاليد فواحدة إلا قليلا، أفلا يكون أشد بين أمم متباعدة في معظم مشخصاتها ومقوماتها؟ ونضرب لذلك مثال أمتين حيتين في الغرب: البلجيك وسويسرا، وهما مملكتان صغيرتان أدهشتا العالم بمدنيتهما ووطنيتهما وحريتهما، ولم يمنع اختلاف العناصر فيهما من اتفاق كلمة كل منهما على الثاني في حب الكمال، بحيث أصبح في أهلها عادة وجبلة، وغدتا نموذجا ينقل عنه حتى أرقى شعوب أوروبا كعبا في المدنية من مجاوريهما؛ كما هو الحال في البلجيك، فإنها بين ثلاث ممالك هي مصدر لمدنية: إنكلترا وفرنسا وألمانيا، وسويسرا وهي بين أربع: ألمانيا وفرنسا والنمسا وإيطاليا، وكل هذه الممالك الكبرى تغبط تينك المملكتين الصغريين على أوضاعهما واستعدادهما. بلاد البلجيك مؤلفة من عنصرين مختلفين في الأصل، وهما العنصر الغلاندري أو الفلامندي سكان الشمال، والعنصر الفالوني سكان الجنوب، وهم فرنسيس يجيدون التصوير والآخرون الموسيقى،

6

ولكن بلاد الموسيقى لا تحملهم، فتقبلهم فرنسا وإيطاليا وألمانيا وإسبانيا، وحال البلجيك مع الدول المجاورة حال سورية مع غيرها على عهد الأتراك، فقد كانت هذه البلاد تضيق على رحبها بأبنائها، فيهاجرون إلى القارات الخمس في طلب الرزق، ولكن أين مساحة بلاد البلجيك من مساحة بلادنا؟

القديم والحديث · الصفحة ١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

القديم والحديثص ١٩