تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولو شئنا أن نعدد الأمثلة من هذا القبيل، لأصاب نفوس الحضور سأم، ولكن اكتفينا بما أوردنا على مسامعكم برهانا على تمازج أجدادنا العرب بأهل الغرب، تمازجا حمد الإخلاف عاقبته، وإن جمودنا عن الأخذ بكل ما في مطاوي مدنيتهم من الأوضاع أمر طبيعي يعد في باب حبنا لوطنيتنا. وإذا كانت أوروبا ظلت تتسكع في دياجي الجهالة قرونا حتى صحت نيتها على اقتباس المدنية القديمة الرومانية واليونانية والعربية، أفلسنا نحن أسرع منها خطى! ولقد رأيتنا في قرن أو بعض قرن اقتبسنا طرفا صالحا لا يستهان به من علوم الغرب وقوانينه في ترتيباته ومصطلحاته. وهاك الآن جملة لإمام العرب في العقل والعلم أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ - رحمه الله - فهي فصل الخطاب في هذا الباب، استمعوا إليها بقلوبكم، فإنها مثال العلم الناضج منذ أحد عشر قرنا، وأنموذج البيان العربي، أذكرها لا على سبيل التفاضل بين الأمم بل للعبرة والحكمة.

قال الجاحظ في رسالته إلى الفتح بن خاقان في مناقب الترك وعامة جند الخلافة: إن كل أمة وقرن، وكل جيل وبني أب وجدتهم قد برعوا في الصناعات، وفضلوا الناس في البيان، أو فاقوهم في الآداب، أو في تأسيس الملك، أو في البصر بالحرب، فإنك لا تجدهم في الغاية وفي أقصى النهاية إلا أن يكون الله تعالى قد سخرهم لذلك المعنى بالأسباب، وقصرهم عليه بالعلل التي تقابل تلك الأمور وتصلح لتلك المعاني؛ لأن من كان متقسم الهوى مشترك الرأي متشعب النفس غير موفر على ذلك الشيء ولا مهيأ له، لم يحذق من تلك الأشياء شيئا بأسره، ولم يبلغ فيه غايته؛ كأهل الصين في الصناعات، واليونانيين في الحكم والآداب، والعرب فيما نحن ذاكروه في موضعه، وآل ساسان في الملك، والأتراك في الحروب. ألا ترى أن اليونانيين الذين نظروا في العلل ثم لم يكونوا تجارا ولا صناعا بأكفهم، ولا أصحاب زرع ولا فلاحة، ولا بناء وغرس، ولا أصحاب جمع ومنع وحرص وكد، وكانت الملوك تفرغهم وتجري عليهم كفايتهم، فنظروا حين نظروا بأنفس مجتمعة وقوى وافرة وأذهان فارغة، حتى استخرجوا الآلات والأدوات والملاهي التي تكون جماما للنفس، وراحة بعد الكد، وسرورا يداوي قرح الهموم؛ فصنعوا بعد المرافق، وصاغوا من المنافع كالقرسطونات والقبانات والإسطرلابات، وآلة الساعات، وكالكونيا، والكشتوان، والبركار، وكأصناف المزامير، والمعازف، وكالطب، والهندسة، واللحون، وآلات الحرب كالمجانيق، والعرادات، والرتيلات، والدبابات، وآلة النفاط، وغير ذلك مما يطول ذكره، وكانوا أصحاب حكمة ولم يكونوا فعلة يصورون الآلة ويخرطون الأداة ويصوغون المثال ولا يحسنون العمل به، ويشيرون إليها ولا يمسونها، يرغبون في العلم ويرغبون عن العمل.

فأما سكان الصين فهم أصحاب السبك والصياغة، والإفراغ، والإذابة، والأصباغ العجيبة، وأصحاب الخرط والنحت والتصاوير، والنسج والخط، ورفق الكف في كل شيء يتولونه ويعانونه وإن اختلف جوهره وتباينت صنعته وتفاوت ثمنه، فاليونانيون يعرفون العلل ولا يباشرون العمل، وسكان الصين يباشرون العمل ولا يعرفون العلل؛ لأن أولئك حكماء، وهؤلاء فعلة، وكذلك العرب لم يكونوا تجارا ولا صناعا، ولا أطباء ولا حسابا، ولا أصحاب فلاحة فيكونوا مهنة، ولا أصحاب زرع؛ لخوفهم من صغار الجزية، ولم يكونوا أصحاب جمع وكسب، ولا أصحاب احتكار لما في أيديهم وطلب ما عند غيرهم، ولا طلبوا المعاش من ألسنة الموازين ورءوس المكاييل، ولا عرفوا الدوانيق والقراريط، ولم يفتقروا الفقر المدقع الذي يشغل عن المعرفة، ولم يستغنوا الغناء الذي يورث التبليد - ترك الاتجاه لشيء - والثروة التي تحدث الغرة، ولم يتحملوا ذلا قط فيميت قلوبهم أو يصغر عندهم أنفسهم، وكانوا سكان فياف وتربية عراء لا يعرفون الغمق ولا اللثق - أي ركوب الندى الأرض وركود الريح وكثرة الندى - ولا البخار، ولا الغلظ، ولا العفن ولا التخم، أذهان حداد ونفوس مفكرة، فحين حملوا حدهم ووجهوا قواهم إلى قول الشعر وبلاغة المنطق، وتشقيق اللغة، وتصاريف الكلام، وقيافة البشر بعد قيافة الأثر، وحفظ النسب والاهتداء بالنجوم، والاستدلال بالآثار، وتعرف الأنواء والبصر بالخيل والسلاح، وآلة الحرب والحفظ لكل مسموع، والاعتبار بكل محسوس، وإحكام شأن المناقب والمثالب؛ بلغوا في ذلك الغاية وحازوا كل أمنية، وببعض هذه العلل صارت نفوسهم أكبر وهممهم أرفع، وهم من جميع الأمم أفخر ولأيامهم أذكر.

القديم والحديث · الصفحة ٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

القديم والحديثص ٢١