ليس في الشرق قانون مدني، بل هناك قانون ديني فقط. وكل جديد مهما كان نوعه لا يقبل إلا على شرط أن يكون نتيجة قواعد لاهوتية. وليس الاختلاف بين الغربيين والشرقيين في تركيب العقول والأوضاع والمعتقدات فقط، بل في أدنى أسباب الحياة، ولا سيما في بساطة الحاجات بالنسبة إلى تشعب حاجاتنا، فإن مطالب الحياة عندهم قليلة جدا إذا قيست بمطالبنا وتشعباتها؛ ولذلك يلقى الشرقي إذا قبل المدنية الأوروبية؛ لأنها تلزمه بأمور لا يستطيع تطبيقها، ولا تستلزمها حالته وبيئته، فتقضي فيه على ما وردته من ماضيه وتتركه لا يعرف كيف يستقر أمام الحاضر.
والنتيجة القطعية الوحيدة من التعليم الأوروبي سواء كان في الزنجي أو الهندي، هو أن تتبدل الصفات الإرثية فيه دون أن تتمكن من إبلاغ التربية الأوروبية إليه، وقد يحصل الشرقي على قطع من الأفكار الأوروبية، ولكن انتفاعه بها يكون بعواطف وأفكار وحشية أو نصف متحضرة، وتتقاذف عقول الشرقيين آراء متضاربة ومبادئ في الأخلاق متعارضة، ولا يخدعنا هذا الطلاء الضعيف الذي يظهر فيه الشرقي إذا لقف شيئا من التربية الأوروبية، فإن ذلك أشبه بالألبسة الموقتة في دور التمثيل لا يجب أن ينظر إليها عن أمم.
قال: ولقد حدثت مئات من المرات أناسا من أدباء الهنود تخرجوا في جامعات إنكلترا أو الغرب، فثبت عندي أن بين أفكارهم وأفكارنا، ومنطقهم ومنطقنا، وعواطفهم وعواطفنا، فروقا واسعة المدى وهوى سحيقة بعيدة. وليس معنى هذا أنه يستحيل على الشرقي أن يكون كالأوروبي حذو القذة بالقذة، كلا، فإن الشرقي يكون كالغربي، ولكن بعد تعاقب الدهور والأعصار؛ كما وقع لأجدادنا، فإنهم ظلوا نحو ألف سنة يتخبطون في حالة التذبذب والتوحش، حتى تأصل فيهم حب المدنية القديمة والأخذ منها. وقانون النشوء الاجتماعي كالنشوء الطبيعي لا بد من أن يستوفي حظه.
والسبب المهم في أن مدنيتنا عاجزة عن الوصول إلى الشعوب المنحطة، هو أنها متشعبة مركبة، والشرقيون أمم من السذاجة أقرب، فاقتضت لهم البسائط، فإنا نرى المدنية الإسلامية وما أثره المسلمون في الشرق، ولا يزالون يؤثرونه قد نجحت في هذا المعنى؛ ذلك لأن الأمم التي دانت للإسلام كانت أو هي في الغالب شرقية لها من العواطف والحاجات والعادات في الحياة، ما يماثل عواطف الفاتحين وحاجاتهم وعاداتهم. وليس في قبولهم أصول المدنية الإسلامية ما يتنافر مع حاجتهم. وعلى العكس، إذا صحت عزيمتهم على الأخذ بالمدنية الغربية فإنها تدك بنيان ما تعودوه بما فيها من الاختلاط والارتباك. •••
قال: وقد زعم المؤرخون أن التأثيرات العلمية والأخلاقية العجيبة التي أثرها المسلمون في الأرض كانت بفضل مادياتهم، ولكن لا يصح اليوم أن نجهل بأن هذه المؤثرات قد دامت في مجراها، حتى بعد أن أضاع المسلمون نفوذهم السياسي، فإن المسلمين في الصين يزيدون اليوم على 20 مليونا، وفي الهند على خمسين؛ أي إن سوادهم أوفر من العهد الذي بلغت فيه دولة المغول أرقى درجات عزتها ومنعتها، ولا يزال هذا العدد في نمو. إن المسلمين بعد الرومان هم الأمة الممدنة الوحيدة التي نجحت في نقل تهذيبها الاجتماعي ودينها وأوضاعها وعلومها إلى العناصر المختلفة التي افتتحتها وتسربت بينها. هذه التأثيرات لا تضمحل، بل نراها على العكس آخذة بالنمو، تتعدى الحدود التي بلغتها في أيام القوة المادية. إن القرآن وما اشتق منه هو إلى الفطرة بحيث يلتئم مع حاجات الشعوب الأولية، حتى إن قبوله آخذ حكمه على مر الدهور لا يعوقه عائق. وحيث ينزل المسلمون ولو كانوا تجارا سذجا تدخل أوضاعهم ومعتقداتهم، وكلما توغل الرواد من أهل المدنية الحديثة في صميم أفريقيا شاهدوا قبائل تنتحل الإسلام. والمسلمون الآن يمدنون قبائل أفريقيا على نحو ما يستطيعون، ويجاهدون في تلك القارة الغريبة، على حين يطوف الأوروبيون في الشرق فاتحين كانوا أو متجرين ولا يتركون وراءهم أثرا لنفوذ أدبي.