تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال سيديليو في كتابه حضارة العرب: مما يدل على شأن الأمة العربية أنها فتحت بلادا أجنبية، ولم يتغلب عليها غريب، مع اتصافها منذ أربعة آلاف سنة بما انفردت به من جميل الأخلاق والعادات، فكانت منذ نشأة أقدم الدول مدبرة لأمورها، متأهبة للإغارة على مجاوريها؛ أخذت مملكتي مصر وبابل قبل الميلاد بتسعة عشر قرنا، ثم أخذ منها ما ملكته من البلاد الأجنبية، وانحصرت سطوتها في بلادها العربية، فأخذت تقاتل الفراعنة وملوك العراق، ونجت من تسلط قورش ملك الفرس وإسكندر المقدوني، وبقيت على استقلالها زمن أخذ الرومان الدنيا القديمة، ثم أتى النبي فربط علائق المودة بين قبائل جزيرة العرب، ووجه أفكارهم إلى مقصد واحد فعلا شأنها، حتى امتدت سلطتها من نهر التاج في إسبانيا والبرتغال إلى نهر القانج في الهند، وانتشر نور المعارف والتمدن في المشرق والمغرب، وأهل أوروبا إذ ذاك في ظلمة جهل القرون المتوسطة، وكأنهم نسوا نسيانا كليا ما وصل إليهم من أحاديث اليونان والرومان. واجتهد العباسية ببغداد، والأموية بقرطبة، والفاطمية في القاهرة، بترقية الفنون، ثم تمزقت ممالكهم، وفقدوا شوكتهم السياسية، واقتصروا على السلطة الدينية التي استمرت لهم في جميع أرجاء ممالكهم، وكان لديهم من المعلومات والصنائع والاكتشافات ما استفاده منهم نصارى إسبانيا حين طردوهم منها، كما أن الأتراك والمغول بعد تغلبهم على ممالك آسيا استفادوا معارف من تغلبوا عليهم. ا.ه.

وبعد، فإن أمة هذا ماضيها وهذا حاضرها كيف يجهل بعضهم أو يتجاهلون أمرها؟! وهي التي كانت الصلة والعائد بين المدنية القديمة والمدنية الحديثة، ولولا العرب لتأخرت نشأة الحضارة الغربية قرونا، كما أكد بعض المنصفين من علماء الغرب. فإذا كان ماضينا ما رأيت، وفي حالتنا الحاضرة بعض النواقص جاء لنا من الحكم الاستبدادي الذي نخر العظم قرونا طويلة، فإننا لا يصح إلا أن يقال عنا اليوم كما وصفنا رئيس الكلية الأميركية الدكتور هوردبلس في مؤتمر الصلح: أمة كسائر الأمم فينا من العيوب ما في غيرنا، أما استعدادنا للرقي إذا رفعت عن عيوننا العصائب، فقد أثبته رجالنا الذين تعلموا وتهذبوا ، فكانوا في مصر والسودان وفي أميركا وأوروبا على مستوى الغربي الراقي في علمهم وآدابهم ومتاجرهم وصناعاتهم، وأثبته دعاة الثورة العربية وما ظهر من تفانيهم في وطنيتهم لإرجاع مجد أمتهم بعد ذبوله.

وإليك مع هذا ما ذكره غستاف لوبون - صاحب كتاب مدينة العرب - في كتابه علم النفس السياسية

5

في باب الأسباب النفسية: ألق بالمدينة الأوروبية عن تحويل الشعوب المنحطة عن حالتهم قال: «لا تعمل التربية إلا أن تلخص المدنية، والأوضاع والمعتقدات تمثل حاجيات هذه المدنية، وإذا لم يكن بين المدنية وأفكار شعب وعواطفه اتصال، فإن التربية التي تؤلف هذه المدنية لا يكون لها تأثير فيه، وكذلك الحال في الأوضاع المناسبة لبعض الحاجات فإنها لا تطابق الحاجات المختلفة، ويدرك المرء بأدنى نظر الفرق بين عقول أمم الشرق، ولا سيما المسلمون والهنود الصينيون، وبين عقول أهل الغرب، فيجده عظيما بحيث يتعذر تطبيق أوضاع بعضهم على الآخر، فإن الأفكار والمناحي والمعتقدات وطرق العيش تختلف بين الفريقين اختلافا ظاهرا.

فبينا نرى أمم الغرب تشتد كل يوم في نزع مؤثرات الأجداد نجد الشرق يعيش بماضيه إلا قليلا، فالمجتمعات الشرقية ثابتة في عاداتها، وهي في الشرقيين خالدة على صورة ليست لها في أوروبا اليوم، فإن المعتقدات التي أضعناها يعنون هم بالاحتفاظ بها جد الاحتفاظ، والعائلة التي تقوضت من أساسها في الغرب لم تبرح متينة الدعائم في الشرق على نحو ما كانت منذ أبعد عصور التاريخ، والمبادئ التي فقدت من تأثيرها فينا أصبحت محافظة على تأثيرها فيهم. غاية الشرقيين قوية جدا، وحاجاتهم ضعيفة كل الضعف، وغاية الغربيين غير أكيدة، وحاجاتهم عظيمة جدا، فإن الدين والأسرة والسلطة العالية والعادات، وجميع هذه الأسس القويمة في المجتمعات القديمة التي نزعها الغرب من أصولها، قد احتفظت بنفوذها في الشرق، ولا من منازع لها؛ وذلك لأن الاهتمام بالاستعاضة عنها لم ينفذ بعد إلى عقول الشرقيين. ويتجلى الفرق الفاحش بين الشرق والغرب من أوضاعهما، فإن جميع الأوضاع السياسية والاجتماعية في الشرقيين، عربا كانوا أو هنودا، تنبعث خاصة من معتقداتهم الدينية، على حين نرى أكثر الشعوب الأوروبية تدينا قد فصل منذ زمن طويل بين الأوضاع السياسية والمعتقدات.

القديم والحديث · الصفحة ١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

القديم والحديثص ١٧