تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وشاعت في القرون الوسطى في أوروبا

4

لغتان فقط من لغات الشرق بين العلماء، وهي اللغة العبرانية التي كانت تعتبر لغة الإنسانية الأصلية، واللغة العربية التي كانت مهمة؛ لكثرة البشر الذين يتكلمون بها؛ ولشهرة فلاسفة الإسلام أمثال، ابن رشد، وابن سينا، وابن زهر، والفارابي؛ لذلك أنشئ في باريز منذ أواسط القرن الثالث للميلاد درس عام لتدريس اللغة العربية، وفي سنة 11م شرع في باريز، وأكسفورد، وبولون، وفلمنكة بتدريس العربية مع العبرانية والكلدانية، وكان لأسرة ميديسيس الإيطالية فضل على الآداب العربية، كما لها الفضل على الشعر والموسيقى والتصوير والهندسة.

ثم إن الإفرنج زاد اختلاطهم بالعرب في الحروب الصليبية، فإن هذه وإن كلفت أمم أوروبا ملايين من الأنفس والأموال، إلا أن أهلها عادوا منها بعد جهاد نحو قرنين، وقد لقنوا أمورا كثيرة من العرب أثرت في حضارتهم وأخلاقهم وعلومهم وصناعاتهم؛ لأنهم شاهدوا أمة أرقى منهم إذ ذاك، فأخذوا عنها ما اتسعت له أوقاتهم، وكانوا على اختلاط تام مع الأمم التي يحاربونها.

وبينا كان السيف والنشاب والمجانيق تعمل عملها بين الفريقين، كان تجار الإفرنج يدخلون بلاد العرب ويتجرون على الرحب والسعة، لا ينازعهم منازع، فأعجب بهذه الأخلاق مؤرخو الحروب الصليبية منهم وأقر بمنافعها لهم أهل الأجيال الخالقة، وفي مقدمتهم ميشو في تاريخ الحروب الصليبية، وقد ذكر على تعصبه أشياء كثيرة مما أخذه الإفرنج عن العرب، دع مئات من كتاب الغرب وباحثيهم ذكروا في كتبهم ومقالاتهم كثيرا مما استفادته أجيال الفرنجة، وغيرهم من امتزاج الصليبيين بالعرب، وقد أدهشهم ما شهدوه من عدل صلاح الدين يوسف بن أيوب - رحمه الله - حتى ادعى شاعره عبد المنعم الجلياني أنهم رسموه في هياكلهم فقال:

وخطوا بأرجاء الهياكل صورة

لك اعتقدوها كاعتقاد الأقانم

يدين لها قس ويرقى بوصفها

ويكتبه يشفى به في التمائم

وإن ما نقرؤه في تاريخ شواطئ البحر الأبيض حيث ينزل العرب من مراكش بالجزائر، فتونس، فطرابلس، فبرقة، فمصر، فسورية من وقائع حدثت في أزمان مختلفة بين العرب، وبين البنادقة، والجنويزبين، والبيزين، والإسبانيين، والبرتغاليين لا تطعن في حسن الصلات بين العرب وجيرانهم على الشاطئ المحاذي لهم من هذا البحر؛ لأن هذه الغزوات البحرية كانت بصنع قراصين ومتشردين وغاغة ظالمين، لا دخل فيها للأمم ولخاصتها على الأقل، ولا سلطة فيها للأديان؛ لأن الأديان كلها تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، ومن أعظم المنكرات فيها قتل النفس التي حرم الله؛ ولذلك تجد المعاهدات تعقد الحين بعد الآخر بين صاحب تونس، أو مصر، أو الشام، أو الغرب الأقصى، وبين الملوك النازلين من الإفرنج في جنوبي أوروبا، وهذه الغزوات البحرية أشبه بالغزوات البرية التي طالما حدثت لها أمثال بين الأمة الواحدة من الإفرنج أو الأمة الواحدة من العرب.

ولطالما غزا سكان جنوبي فرنسا سكان شمالها ودينهم واحد، ولسانهم واحد، وعاداتهم وتقاليدهم متقاربة، ولم يتيسر نزع هذا الخلق، وهو من أخلاق البداوة في الغالب إلا بما قام في فرنسا من الأعمال المالية التي ربطت ابن الشمال بابن الجنوب برباط معنوي مادي، فارتفعت الخصومات من بينهما؛ لأن المصلحة المادية مفضلة على كل شيء، فقد قال الجاحظ: «وليس يكون أن تصفو الدنيا وتنقى من الفساد والمكروه، حتى يموت جميع الخلاف وتستوي لأهلها، وتتمهد لسكانها على ما يشتهون ويهوون؛ لأن ذلك من صفة دار الجزاء وليس كذلك صفة دار العمل.»

قال الكونت هنري دي كاستر في كتابه الإسلام خواطر وسوانح: ولقد زادت محاسنة المسلمين للمسيحيين في بلاد الأندلس، حتى صاروا في حالة أهنأ من التي كانوا عليها أيام خضوعهم لحكم قدماء الجرمانيين الذين يقال لهم الفيزيغوت، ويقول دوزي: إن هذا الفتح لم يكن مضرا بالأندلس، وما حصل من الاضطراب والهرج بعده لم يلبث أن زال باستقرار الحكومة المطلقة الإسلامية في تلك البلاد، وقد أبقى المسلمون سكانها على دينهم وشرعهم وقضائهم، وقلدوهم بعض الوظائف حتى كان منهم موظفون في خدمة الخلفاء، وكثير منهم تولى قيادة الجيوش مثل «سيد»، وتولد عن هذه السيادة الرحيمة أن انحاز عقلاء الأمة الأندلسية إلى المسلمين، وحصل بينهم زواج كثير، وكم من أندلسي بقي على دينه، ولكنه أعجبته طلاوة التمدن العربي فتعلم اللغة وآدابها، وأصبح القسس يلومونهم على ترك ألحان الكنيسة، والتعلق بأشعار الفاتحين. وكانت حرية الأديان بالغة منتهاها؛ لذلك لما اضطهدت أوروبا الموسويين لجئوا إلى خلفاء الأندلس في قرطبة، ولما دخل الملك كارلوس إلى سرقسطة أمر جنوده بهدم جميع معابد اليهود ومساجد المسلمين، قال: ونحن نعلم أن المسيحيين أيام الحروب الصليبية ما دخلوا بلادا إلا وأعملوا السيف في يهودها ومسلميها، وذلك يؤيد أن اليهود إنما وجدوا مجيرا وملجأ في الإسلام، فإن كانت لهم باقية حتى الآن، فالفضل فيها راجع لمحاسنة المسلمين ولين جانبهم. ا.ه .

القديم والحديث · الصفحة ١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

القديم والحديثص ١٦