قال صاحب الكامل: ولما استولى صلاح الدين على القصر وأمواله وذخائره اختار منه ما أراد، ووهب أهله ما أراد، وباع منه كثيرا، وكان فيه من الجواهر والأعلاق النفسية ما لم يكن عند ملك من الملوك، قد جمع على طول السنين وممر الدهور، فمنه القضيب الزمرد طوله نحو قصبة ونصف، والحبل الياقوت وغيرهما، ومن الكتب المنتخبة بالخطوط المنسوبة والخطوط الجيدة نحو مائة ألف مجلد، وهكذا عادت إلى مصر الخطبة والسكة باسم الخليفة العباسي بعد أن انقطعت دهرا طويلا، فأرسل المستضيء بأمر الله خلعة إلى نور الدين في الشام، وأخرى أقل من خلعته إلى صلاح الدين في مصر.
ثم حصلت وحشة بين نور الدين وصلاح الدين؛ وذلك أن الأول طلب إلى الثاني أن يجمع العساكر المصرية، ويأتي إلى الكرك ليجمع هو العساكر الشامية، ويأتيها ليخلصوها من الإفرنج، فبعد أن صدع بالأمر أرسل إليه كتابا يعتذر فيه عن الوصول باختلال الديار المصرية لأمور بلغته عن بعض شيعة العلويين، وأنهم عازمون على الوثوب بها، وأنه يخاف عليها مع البعد عنها أن يقوم أهلها على من تخلف بها، فلم يقبل نور الدين هذا الاعتذار منه وتغير عليه، وكان سبب تقاعد صلاح الدين أن أصحابه وخواصه خوفوه من الاجتماع بنور الدين، فإذا لم يمتثل أمر نور الدين شق ذلك عليه وعظم عنده، وعزم على الدخول إلى مصر وإخراج صلاح الدين منها، فبلغ الخبر إلى صلاح الدين فجمع أهله ومنهم والده نجم الدين وخاله شهاب الدين الحازمي، ومعهم سائر الأمراء وأعلمهم ما بلغه من عزم نور الدين على قصده وأخذ مصر منه، واستشارهم فلم يجبه أحد منهم بشيء، فقام تقي الدين عمر ابن أخي صلاح الدين وقال: إذا جاء قاتلناه ومنعناه عن البلاد، ووافقه غيره من أهله، فشتمهم نجم الدين أيوب، وأنكر ذلك واستعظمه، وكان ذا رأي وفكر وعقل وقال لتقي الدين: اقعد وسبه، وقال لصلاح الدين: أنا أبوك وهذا شهاب الدين خالك أتظن أن في هؤلاء كلهم من يحبك ويريد لك الخير مثلنا، فقال: لا، فقال: والله لو رأيته أنا وخالك شهاب الدين نور الدين لم يمكننا إلا أن نترجل له، ونقبل الأرض بين يديه، ولو أمرنا أن نضرب عنقك بالسيف لفعلنا، فإذا كنا نحن هكذا فكيف يكون غيرنا، وكل من تراه من الأمراء والعساكر لو رأى نور الدين وحده لم يتجاسر من الثبات على سرجه، ولا وسعه إلا النزول وتقبيل الأرض بين يديه، وهذه البلاد له، وقد أقامك فيها، وإن أراد عزلك سمعنا وأطعنا، والرأي أن تكتب إليه كتابا وتقول: بلغني أنك تريد الحركة لأجل البلاد، فأي حاجة إلى هذا يرسل المولى نجابا يضع في رقبتي منديلا ويأخذني إليك، فما ههنا من يمتنع عليك، وقال لجماعته كلهم: قوموا عنا، فنحن مماليك نور الدين، وعبيده يفعل بنا ما يريد، فتفرقوا على هذا، وكتب أكثرهم إلى نور الدين بالخبر، ولما خلا أيوب بابنه صلاح الدين قال له: أنت جاهل قليل المعرفة، تجمع هذا الجمع الكثير، وتطلعهم على سرك وما في نفسك، فإذا سمع نور الدين أنك عازم على منعه عن البلاد جعلك أهم الأمور وأولاها بالقصد، ولو قصدك لم تر معك أحدا من هذا العسكر، وكانوا أسلموك إليه، وأما الآن فبعد هذا المجلس سيكتبون إليه، ويعرفونه قولي وتكتب أنت إليه وترسل إليه في المعنى، وتقول: أي حاجة إلى قصدي يجيء نجاب يأخذني بحبل يضعه في عنقي، فهو إذا سمع عدل عن قصدك، واستعمل ما هو أهم عنده، والأيام تتدرج، والله كل وقت في شأن، والله لو أراد نور الدين قصبة من قصب سكرنا لقاتلته أنا عليها حتى أمنعه أو أقتل، ففعل صلاح الدين ما أشار به والده، فلما رأى نور الدين الأمر هكذا عدل عن قصده، وكان الأمر كما قال نجم الدين أيوب، وتوفي نور الدين ولم يقصده، وملك صلاح الدين البلاد، قال ابن الأثير: وهذا كان من أحسن الآراء وأجودها.