تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذا هو التوفيق الذي حالف صلاح الدين، دخل مصر كارها مع عمه، فصار قائد جندها، ثم تولى وزارتها، فملكها وقلب دولة العبيديين، وكل ذلك بأخذه بالحزم في أموره، واستشارته العقلاء من أهله ورجاله، وكان من طبعه ألا يبت أمرا بدون مشورة، هكذا كان منذ ابتدأ شابا إلى أن استولى بعد وفاة نور الدين سنة 569 على الشام، إلى أن استخلص بيت المقدس من أيدي الإفرنج، وطردهم من أكثر مدن ساحل الشام، يعمل بقول بشار:

إذا بلغ الرأي النصيحة فاستعن

برأي لبيب أو نصيحة حازم

ولا تحسب الشورى عليك غضاضة

فإن الخوافي رافدات القوادم

وكان نور الدين قد خلف ولده الملك الصالح إسماعيل، وكان بدمشق عند وفاة أبيه، فسار إلى حلب من دمشق، فلما علم صلاح الدين أن الملك صالح صبي لا يستقل بالأمر، ولا ينهض بأعباء الملك، واختلت الأحوال بالشام، تجهز من مصر في جيش كثيف، وترك بها من يحفظها، وقصد دمشق مظهرا أنه يتولى مصالح الملك الصالح، فدخلها بالتسليم سلخ سنة سبعين وخمسمائة وتسلم قلعتها، ففرح الناس به، وأنفق مالا جزيلا، وسار إلى حلب، فنازل حمص وأخذ مدينتها، ثم استولى على تلك البلاد إلى الفرات وما بعد الفرات، وتوفي الملك الصالح بعد مدة قليلة، فأخذ حلب ابن عمه عز الدين مسعود صاحب الموصل، ثم عاد صلاح الدين سنة 577 واستولى على حلب ودانت له البلاد، وفتح بيت المقدس بعد أن ملكه الإفرنج نحو مائتي سنة، ولم يفشل في واقعة من وقائعه مع الصليبيين على كثرة عددهم وعديدهم، اللهم إلا في عكا، فاستعادوها منه بعد أن فتحها بواسطة ملك الإنكليز إذ ذاك ريشاردس قلب الأسد.

إن عدل الملك الناصر صلاح الدين يوسف قد أدهش الأوروبيين في ذاك العهد، فكانوا هم يعاهدون فينكثون أما هو هو، فما عاهد ونكث قط، وكثيرا ما كان بعض خاصته من متعصبة المشايخ الذين لا يعرفون سياسة الملك ولا حسن إدارة الفتوحات، يريدونه على أن يعامل الصليبيين بعملهم في الانتقام من أسراهم عنده كما فعل أولئك، وقتلوا مرة مئات من أسرى المسلمين، فما كان جوابه إلا الإعراض عن مقترحاتهم، والعمل بسنة اللين واللطف حتى استهوى القلوب الشاردة وأحبه أعداؤه قبل أوليائه، وهذا من أندر النوادر في الملوك، وناهيك بعصره الذي كان عصر التعصب الديني في الغرب والشرق أيضا، فالصليبيون جاءوا هذه الديار مدفوعين بعوامل الدين واستنقاذ بيت المقدس من المسلمين، وهؤلاء قاموا باسترجاع البلاد بهذا العامل القوي أيضا.

قال عبد المنعم الجلياني أحد شعراء الملك الناصر صلاح الدين من قصيدة يعلل فيها السبب الذي من أجله أحب الفرنج صلاح الدين:

وفيت لهم حتى أحبوك ساطيا

بهم ووفاء العهد قيد المخاصم

فخانوا فخابوا فانتدوا فتلاوموا

فقالوا خذلنا بارتكاب الجرائم

وخص صلاح الدين بالنصر إذا أتى

بقلب سليم راحما للمسالم

فحطوا بأرجاء الهياكل صورة

لك اعتقدوها كاعتقاد الأقانم

يدين لها قس ويرقى بوضعها

ويكتبه يشفى به في التمائم

ملك مصر والشام والجزيرة والعراق واليمن، والملك لما يستتب له على ما يجب، فاستطاع بعقله وإخلاصه لأمته ووطنه أن يدفع غارات الأوروبيين عن أرض الشام ومصر بعد أن رسخت أقدامهم قرنين كاملين، واستجاشوا لهم الأنصار وحشروا من جميع أمم أوروبا العدد الكثير، وبذلوا في ذلك من المال والرجال ما يقدر بالملايين والربوات أن هذا من عجائب التاريخ، تقف كتائب من العرب والترك والأكراد في موقف القتال مع الفرنسوي والألماني والإنكليزي والمجري والإيطالي والإسباني والنمساوي والسويسري وغيرهم من أمم الإفرنج، فيبز الأولون الآخرين على قلة عددهم، ولكن الجيوش قد لا تؤتى من قلة أكثر مما تؤتى من سوء السياسة وعتو القواد والاستهانة بالشورى، وما كان المدافع كالمهاجم في وقت من الأوقات.

القديم والحديث · الصفحة ١٦٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

القديم والحديثص ١٦٨