تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

استولى أسد الدين على أزمة الوزارة، وقتل شاورا الوزير قبله بأمر الخليفة الفاطمي جريا على عادة أجداده في الوزراء، وذلك في ربيع الأول سنة 564، كان صلاح الدين «يباشر الأمور مقررا لها لمكان كفايته ودرايته وحسن رأيه وسياسته»، ومات أسد الدين بعد شهرين وخمسة أيام من تولية الوزارة للعاضد الفاطمي، فتولاها صلاح الدين بعده «وتمهدت القواعد ومشى الحال على أحسن الأوضاع، وبذل الأموال، وملك قلوب الرجال، وهانت عنده الدنيا فملكها، وشكر نعمة الله تعالى عليه، فتاب عن الخمر، وأعرض عن أسباب اللهو، وتقمص بقميص الجد والاجتهاد»، و«من حين استتب له الأمر ما زال يشن الغارات على الفرنج إلى الكرك والشوبك وغيرهما من البلاد، وغشى الناس من سحائب الإفضال والإنعام ما لم يؤرخ من تلك الأيام، وهذا كله وهو وزير متابع القوم، لكنه يقول بمذهب أهل السنة مارس في البلاد أهل الفقه والعلم والتصوف والدين»، وهو يكرم كل وافد، ولا يخيب أحدا قصده.

بهذا الكرم والعقل دانت مصر لصلاح الدين ، وأصبح فيها الحاكم المتحكم واصطناع الفضلاء، وتقريب العقلاء والأفضال على العلماء والشعراء من آكد الطرق في بلوغ المقصود وتهيئة أسباب الملك.

أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم

فطالما استعبد الإنسان إحسان

ولما ثبتت قدم صلاح الدين في مصر، وأزال المخالفين - كما قال ابن الأثير - وضعف أمر العاضد، ولم يبق من العساكر المصرية أحد، كتب إليه الملك العادل نور الدين محمود يأمره بقطع الخطبة العاضدية وإقامة الخطبة العباسية، فاعتذر صلاح الدين بالخوف من وثوب أهل مصر، وامتناعهم من الإجابة إلى ذلك؛ لميلهم إلى دولة المصريين، فلم يصغ نور الدين إلى قوله، وأرسل إليه يلزمه بذلك إلزاما لا فسحة له فيه، واتفق أن العاضد مرض، وكان صلاح الدين قد عزم على قطع الخطبة، فاستشار أمراءه في كيفية الابتداء بالخطبة العباسية، فمنهم من أقدم على المساعدة وأشار بها، ومنهم من خاف ذلك، إلا أنه لم يمكنه إلا امتثال أمر نور الدين، فلما كان أول جمعة من المحرم (567) خطب للمستضيء بأمر الله تعالى العباسي فلم ينكر أحد ذلك، فلما كانت الجمعة الثالثة أمر صلاح الدين الخطباء بمصر والقاهرة بقطع خطبة العاضد وإقامة الخطبة للمستضيء بأمر الله تعالى ففعلوا ذلك، ولم ينتطح فيها عنزان، وكتب بذلك إلى سائر الديار المصرية.

وكان العاضد قد اشتد مرضه، فلم يعلمه أهله وأصحابه بانقطاع الخطبة باسمه، وقالوا: إن سلم فهو يعلم، وإن توفي فلا ينبغي أن ننغص عليه هذه الأيام التي بقيت من أجله، فتوفي يوم عاشوراء ولم يعلم، ولما توفي جلس صلاح الدين للعزاء، واستولى على قصره وجميع ما كان فيه، وكان قد رتب فيه قبل وفاة العاضد بهاء الدين قراقوش، وهو خصي يحفظه، فحفظ ما فيه حتى تسلمه صلاح الدين، ونقل أهل العاضد إلى مكان منفرد، ووكل بحفظهم، وجعل أولاده وعمومته وأبناءهم في إيوان بالقصر، وجعل عندهم من يحفظهم، وأخرج من كان فيه من العبيد والإماء، فأعتق البعض ورهب البعض وباع البعض، وأخلى القصر من أهله وسكانه، وكان ابتداء الدولة العبيدية أو الفاطمية بإفريقية والمغرب في ذي الحجة سنة تسع وتسعين ومائتين ومقامهم بمصر مائتي سنة وثماني سنين، وملك منهم أربعة عشر ملكا، آخرهم العاضد وأولهم المهدي.

أزال صلاح الدين دولة العبيديين على أهون سبب؛ لأنها لم تعد صالحة للبقاء، وكفى أن أمراءها أخذوا يراسلون الإفرنج لتسلم لهم مناصبهم - كما فعل جماعة عمارة اليمني - وأخذوا يراسلون الفرنج في صقلية وساحل الشام ليقلبوا الحكومة الصلاحية، ويعيدوا الدولة العبيدية، فشعر بهم صلاح الدين وصلبهم، وكما فعل غير واحد من ملوك الطوائف في الأندلس، فأنشئوا يحتمون بجيرانهم وأعدائهم، ويستعينون بهم على قتال ذويهم وأبناء ملتهم، فكان ذلك من أهم الأمور في طمع الإسبانيين ببلاد الأندلس واسترجاعها بعد أن حكمها العرب قرونا، عن علي بن عيسى بن الجراح قال: سألت أولاد بني أمية ما سبب زوال دولتكم قال: أربع خصال، أولها: أن وزراءنا كتموا عنا ما يجب إظهاره لنا، والثانية: أن جباة خراجنا ظلموا الناس، فارتحلوا عن أوطانهم، فخربت بيوت أموالنا، والثالثة: انقطعت الأرزاق عن الجند فتركوا طاعتنا، والرابعة: أيس الناس من إنصافنا فاستراحوا إلى غيرنا، فهذا كان سبب زوال دولتنا. قلنا: وهو سبب ذهاب أكثر الدول، وهذه الخصال كانت - ولا شك - موجودة في الفاطمية.

القديم والحديث · الصفحة ١٦٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

القديم والحديثص ١٦٦