تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولما ملك نور الدين محمود بن زنكي دمشق لازم نجم الدين أيوب خدمته، وكذلك ولده صلاح الدين، ونور الدين هذا تركي الأصل، وهو صاحب الفضل الأول في تأسيس ملك الشام ومصر، بحيث قوي على رد غارات الصليبيين ودفعهم عن الأرض المقدسة، فصلاح الدين يوسف ليس إذن من أصل وضيع، بل من أصل رفيع جدا، تعلم القدر الذي كان يتعلمه أبناء الكبراء، ونشأ نشأة دينية راقية، وأخذ حسن الخلق والعدل والشجاعة والكرم عن أبيه نجم الدين أيوب بن شاذي، وكان عدلا مرضيا، كثير الصلاة والصلات، غزير الصدقات والخيرات، يحب العلماء، ربي في الموصل، ونشأ شجاعا باسلا، وخدم السلطان محمد بن ملكشاه، فرأى منه أمانة وعقلا وسدادا وشهامة، فولاه قلعة تكريت، فقام في ولايتها أحسن قيام، وضبطها أكرم ضبط، وأجلى من أرضها المفسدين وقطاع الطريق وأهل العيث، حتى عمرت أرضها، وحسن حال أهلها، وأمنت سبلها، ثم أضيفت إليه ولايتها، وكان نجم الدين عظيما في أنفس الناس بالدين والخير وحسن السياسة، وكان لا يمر أحد من أهل العلم والدين به إلا حمل إليه المال والضيافة الجليلة، وكان لا يسمع عن أحد من أهل الدين في مدينة إلا أنفذ إليه ما يستعين به على صلاح حاله.

وكان أسد الدين شيركوه أخو نجم الدين أيوب في قلعة تكريت مع أخيه، وكان شجاعا باسلا مثل أخيه، فاتفق أن أسد الدين نزل من القلعة يوما لبعض شأنه، ثم عاد إليها، وكان بينه وبين كاتب صاحب القلعة قوارص، وكان رجلا نصرانيا، فاتفق في ذلك اليوم أن النصراني صادف أسد الدين صاعدا إلى القلعة، فعبث به بكلمة ممضة فجرد أسد الدين سيفه وقتل النصراني وصعد إلى القلعة، وكان مهيبا فلم يتجاسر أحد على معارضته في أمر النصراني، فبلغ بهروز صاحب قلعة تكريت ما جرى، وحضر عنده من خوفه من جرأة أسد الدين، وأنه ذو عشيرة كبيرة، وأن أخاه نجم الدين قد استحوذ على قلوب الرعايا، وأنه ربما كان منهما أمر تخشى عاقبته، ويصعب استدراكه؛ فكتب إلى نجم الدين ينكر عليه ما جرى من أخيه، ويأمره بتسليم القلعة إلى نائب سيره صحبة الكتاب، فأجاب نجم الدين إلى ذلك بالسمع والطاعة، وقعد هو وأخوه عند عماد الدين زنكي بالموصل، فأكرمهما وأقطعهما الإقطاعات الحسنة، ثم اتصلا بنور الدين محمود بن زنكي إلى أن أرسل أسد الدين شيركوه إلى مصر ومعه ابن أخيه صلاح الدين، وبنور الدين تخرج صلاح الدين، فقد كان نور الدين يرى له ويؤثره، ومنه تعلم صلاح الدين طرائق الخير، وفعل المعروف والاجتهاد في أمور الجهاد، وسافر صلاح الدين إلى مصر وهو كاره للسفر، فجعله عمه أسد الدين شيركوه مقدم عسكره سنة تسع وخمسين وخمسمائة، وكان صلاح الدين في السابعة والعشرين من عمره، فعرف أسد الدين حال مصر وكشف أحوالها والدولة الفاطمية فيها مشرفة على الزوال، وقد ضعفت جنديتها ودب الفشل والهرم في البيت العبيدي، وصارت خلافتهم ألعوبة في يد كل ذي قوة.

والسبب في دخول أسد الدين ومعه ابن أخيه صلاح الدين إلى مصر أن الوزير شاور هرب من مصر، واستغاث في الشام بنور الدين من ضرغام بن عامر؛ لأنه قهره وأخذ مكانه في الوزارة، «ولما وصل أسد الدين شيركوه وشاور إلى الديار المصرية واستولوا عليها، وقتلوا الضرغام، وحصل لشاور مقصوده، وعاد إلى منصبه، وتمهدت قواعده، واستمرت أموره غدر بأسد الدين شيركوه، واستنجد بالفرنج عليه وحصروه في بلبيس، وكان أسد الدين قد شاهد البلاد، وعرف أحوالها، وأنها مملكة بغير رجال تمشي الأمور فيها بمجرد الإيهام والمحال»، طمع في الاستيلاء عليها، فبلغ شاورا أن نور الدين قد زين له الاستيلاء على مصر، وأن أسد الدين لا بد له من قصدها ثانية، فكاتب الإفرنج «وقرر معهم أنهم يجيئون إلى البلاد، ويمكنهم منها تمكينا كليا؛ ليعينوه على استئصال أعدائه، فبلغ نور الدين وأسد الدين مكاتبة شاور للفرنج وما تقرر بينهم، فخافا على الديار المصرية أن يملكوها، ويملكوا بطريقها جميع البلاد؛ فتجهز أسد الدين وأنفذ نور الدين معه العساكر، وصلاح الدين في خدمة عمه أسد الدين شيركوه، وكان توجههم من الشام في سنة 562.»

القديم والحديث · الصفحة ١٦٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

القديم والحديثص ١٦٥