وقال في عود الرسول من قبل ملك الإنكتار: وأدى الرسالة وهي أن الملك يسأل ويخضع لك أن تترك له هذه الأماكن الثلاثة عامرة، وأي قدر لها في ملكك وعظمتك، وما من سبب لإصراره عليها إلا أن الإفرنج لم يسمحوا بها، وقد ترك القدس بالكلية، فلا يطلب أن يكون فيه رهبان ولا قسوس إلا في القمامة وحدها، فأنت تترك له هذه البلاد، ويكون الصلح عاما، فيكون لهم كل ما في أيديهم من الدارون إلى أنطاكية، ولكم ما في أيديكم وينتظم الحال ويروج، وإن لم ينتظم الصلح فالإفرنج لا يمكنونه من الرواح ولا يمكن مخالفتهم، فانظر إلى هذه الصناعة في استخلاص الغرض باللين تارة والخشونة أخرى، وكان مضطرا إلى الرواح، وهذا عمله مع اضطراره، والله الولي في أن يقي المسلمين شره، فما بلونا أعظم حيلة وأشد إقداما منه.
| سيرة صلاح الدين
أشار إلينا أحد الأصدقاء أن نزيد القراء من سيرة أبي المظفر الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب أحد أفراد الملة الإسلامية وأكبر أبطال القرون الغابرة، من كان يعلم أعداءه كيف تكون الرجولية كما كان قال إمبراطور الألمان الحالي، وأن نتوسع في وقائعه ما أمكن؛ لأن سيرته الشريفة جديرة بأن يتدارسها الملوك والسوقة، ويهتدي بهديها ابن القرن الحاضر والقرون الآتية، فهي مثال الحكمة، كلما كررت حلت، ومهما أطال الناظر بصره فيها زاد بصيرة، وماذا عسانا نقول فيمن جمع الفضائل النفسية، ورزق من الصبر والثبات وحب الموت حبا في إحياء الأمة، وخادنه من أسباب التوفيق ما لم يكتب لأحد، فخدم الإسلام والمسلمين بعقله وجهاده خدمة الخليفة الثاني، ونفعهم بسيرته كما نفع المأمون العباسي، وكان في زهده وشدته على قدم علي بن أبي طالب وعمر بن عبد العزيز.
اجتمعت لصلاح الدين أرقى صفات تلزم الملوك والسلاطين، وأسمى أخلاق الزاهدين العالمين والكرماء المحسنين، وتربى تربية رشيدة لا يكاد ينشأ عليها ابن أرقى البيوت المالكة لعهدنا في بلاد الغرب مع ما لهم من المدارس الجامعة والمجامع والجمعيات، وأسباب تهذيب النفس، وتربية الملكات، وإثارة العقول.
فلاحت على وجهه مخايل السعادة، وأخذت النجابة منذ نشأته تقدمه من حالة إلى حالة كما قالوا، فنشأ في كنف أبيه في قلعة تكريت، وكان أبوه وعمه بها عمالا لحاكم تلك الديار، وكان أهله من دوبن بلدة في آخر عمل أذربيجان من جهة إيران وبلاد الكرج، وهم أكراد روادية وهي قبيلة كبيرة من قبائل الأكراد، وانتقلوا من هناك إلى تكريت، وفيها ولد صلاح الدين.
قال ابن خلكان: أخبرني بعض أهل بيتهم، وقد سألته هل تعرف متى خرجوا من تكريت فقال: سمعت جماعة من أهلنا يقولون: إنهم خرجوا منها في الليلة التي ولد فيها صلاح الدين، فتشاءموا به وتطيروا منه، فقال بعضهم: لعل فيه الخيرة وما تعلمون فكان كما قال.
قلنا: تشاءموا بولادة صلاح الدين؛ وذلك لأنه صادف أنه أخرج والده من قلعة تكريت بأمر صاحبها بهروز ليلة ولادته. وذكر في الروضتين أن قد اجتمع مرة السلطان صلاح الدين ووالده الأمير نجم الدين في دار الوزارة بمصر، وقد قعدا على طراحة واحدة والمجلس غاص بأرباب الدولتين يوم أراد نور الدين محمود بن زنكي أن تقطع خطبة المصريين، وتقام دعوة بني العباس، وعند الناس من الفرح والسرور ما قد أذهل العقول، فبينا الناس كذلك إذ تقدم كاتب نصراني كان في خدمة الأمير نجم الدين، فقبل الأرض بين يدي السلطان الملك الناصر صلاح الدين، ووالده نجم الدين، والتفت إلى نجم الدين، وقال له: يا مولاي هذا تأويل مقالتي لك بالأمس حين ولد هذا السلطان، فضحك نجم الدين وقال: صدقت والله، ثم أخذ في حمد الله وشكره والثناء عليه، والتفت إلى الجماعة الذين حوله والقضاة والأمراء وقال: لكلام هذا النصراني حكاية عجيبة؛ وذلك أنني ليلة رزقت هذا الولد - يعني السلطان الملك الناصر - أمرني صاحب قلعة تكريت بالرحلة عنها بسبب الفعلة التي كانت من أخي شيركوه - رحمه الله - وقتله النصراني، وكنت قد ألفت القلعة، وصارت لي كالوطن، فثقل علي الخروج منها، والتحول عنها إلى غيرها واغتممت لذلك، وفي ذلك الوقت جاءني البشير بولادته، فتشاءمت به، وتطيرت لما جرى علي، ولم أفرح به ولم أستبشر، وخرجنا من القلعة وأنا على طيرتي به لا أكاد أذكره ولا أسميه، وكان هذا النصراني معي كاتبا، فلما رأى ما نزل بي من كراهية الطفل والتشاؤم به استدعى مني أن آذن له في الكلام فأذنت له، فقال لي: يا مولاي! قد رأيت ما قد حدث عندك من الطيرة بهذا الصبي، وأي شيء له من الذنب، وبما استحق ذلك منك، وهو لا ينفع ولا يضر ولا يغني شيئا، وهذا الذي جرى عليك قضاء من الله سبحانه وقدر، ثم ما يدريك أن هذا الطفل يكون ملكا عظيم الصيت جليل المقدار، فعطفني كلامه عليه، وها قد أوقفني على ما كان قاله، فتعجب الجماعة من هذا الاتفاق، وحمد السلطان ووالده الله سبحانه وشكراه.