وقد ذكر العماد في خريدته الشعراء الذين كانوا بعد المائة الخامسة إلى سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، وجمع شعراء العراق والعجم والشام والجزيرة ومصر والمغرب، ولم يترك أحدا إلا النادر الخامل، وأحسن في هذا الكتاب وهو في عشر مجلدات، وصنف كتاب البرق الشامي في سبع مجلدات وهو مجموع تاريخ، وبدأ فيه بذكر نفسه وصورة انتقاله من العراق إلى الشام، وما جرى له في خدمة السلطان نور الدين محمود، وكيفية تنقله بخدمة السلطان صلاح الدين، وذكر شيئا من الفتوحات بالشام، وهو من الكتب الممتعة، وإنما سماه البرق الشامي؛ لأنه شبه أوقاته في تلك الأيام بالبرق الخاطف لطيبها وسرعة انقضائها، وصنف كتاب الفتح القسي في الفتح القدسي في مجلدين يتضمن كيفية فتح البيت المقدس، وصنف كتاب السيل على الزيل جعله ذيلا على الذيل لابن السمعاني، وهو ذيل على كتاب خريدة القصر، وصنف كتاب نصرة الفترة وعصرة القطرة في أخبار الدولة السلجوقية (مطبوع)، وله ديوان رسائل وديوان شعر في أربع مجلدات، ونفسه في قصائده طويل، وله ديوان صغير جميعه دوبيت، وكان بينه وبين القاضي الفاضل مكاتبات ومحاورات لطاف.
ولم يزل العماد الكاتب على مكانته ورفعة منزلته إلى أن توفي السلطان صلاح الدين - رحمه الله تعالى - فاختلت أحواله، وتعطلت أوصاله، ولم يجد في وجهه بابا مفتوحا، فلزم بيته، وأقبل على الاشتغال بالتصانيف، وكانت ولادته يوم الاثنين ثاني جمادى الآخرة سنة تسع عشرة وخمسمائة بأصبهان، وتوفي يوم الاثنين مستهل شهر رمضان سنة سبع وتسعين وخمسمائة بدمشق، ودفن بمقابر الصوفية خارج باب النصر.
أما ابن شداد مؤلف السيرة الصلاحية فقد ولد بالموصل سنة 539 وحفظ بها القرآن الكريم في صغره، وتخرج بضياء الدين القرطبي وبابن الشيرجي والطوسي الخطيب وغيرهم، قرأ عليهم القراءات والتفسير والحديث والفقه والخلاف والأدب واللغة، وأعاد بالمدرسة النظامية وحج في سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، وزار بيت المقدس والخليل، ثم دخل دمشق والسلطان صلاح الدين محاصر قلعة كوكب، فذكر أنه سمع بوصوله فاستدعاه إليه فظن أن يسأله عن كيفية قتل الأمير شمس الدين، وكان أمير الحاج في تلك السنة من جهة صلاح الدين وقتل على جبل عرفات، فلما دخل عليه ذكر أنه قابله بالإكرام التام وما زاد على السؤال عن الطريق ومن كان فيه من مشايخ العلم والعمل وسأله عن جزء من الحديث ليسمعه عليه، فأخرج له جزءا جمع فيه أذكار البخاري وأنه قرأه عليه بنفسه، فلما خرج من عنده تبعه عماد الدين الكاتب الأصبهاني وقال له: السلطان يقول لك: إذا عدت من الزيارة وعزمت على العود فعرفنا بذلك فلنا إليك مهم، فأجابه بالسمع والطاعة، فلما عاد عرفه بوصوله فاستدعاه، وجمع له في تلك المدة كتابا يشتمل على فضائل الجهاد، وما أعد الله سبحانه وتعالى للمجاهدين، يحتوي على مقدار ثلاثين كراسة، فخرج إليه واجتمع به ببقعة حصن الأكراد وقدم له الكتاب الذي جمعه، وقال: إنه كان عزم على الانقطاع في مشهد بظاهر الموصل إذا وصل إليها، ثم إنه اتصل بخدمة صلاح الدين في مستهل جمادى الأولى سنة أربع وثمانين وخمسمائة، ثم ولاه قضاء العسكر والحكم بالقدس الشريف، ولما توفي صلاح الدين كان حاضرا وتوجه إلى حلب لجمع كلمة الإخوة أولاد صلاح الدين وتحليف بعضهم لبعض، وكتب الملك الظاهر غياث الدين بن صلاح الدين صاحب حلب إلى أخيه الملك الأفضل نور الدين علي بن صلاح الدين صاحب دمشق يطلبه منه فأجابه إلى ذلك، فأرسله الملك الظاهر إلى مصر لاستخلاف أخيه الملك العزيز عماد الدين عثمان بن صلاح الدين، وعرض عليه الظاهر الحكم بحلب ، فلم يوافق على ذلك، ثم ولي قضاءها ووقوفها، وكانت حلب في ذلك الزمان قليلة المدارس، وليس بها من العلماء إلا نفر يسير، فاعتنى ابن شداد بترتيب أمورها وجمع الفقهاء بها وعمرت في أيامه المدارس الكثيرة، وكان الملك الظاهر قد قرر له إقطاعا جيدا يحصل منه جملة مستكثرة، ولم يكن له خرج كثير فإنه لم يولد له ولا كان له أقارب، فتوفر له شيء كثير فعمر مدرسة للشافعية ودارا للحديث في حلب، ولما صارت حلب على هذه الصورة قصدها الفقهاء من البلاد، وحصل بها الاشتغال والاستفادة وكثر الجمع بها.