تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان بيد القاضي أبي المحاسن بن شداد حل الأمور وعقدها، ولم يكن لأحد معه في الدولة كلام، وكان سلطانها الملك العزيز أبو المظفر ابن الملك الظاهر ابن السلطان صلاح الدين، وهو صغير السن تحت حجر الطواشي شهاب الدين أبي سعيد طغرل وهو أتابكه، وتولى أمور الدولة بإشارة القاضي أبي المحاسن لا يخرج عنهما شيء من الأمور، وكان للفقهاء في أيامه حرمة تامة ورعاية كبيرة، خصوصا جماعة مدرسته، فإنهم كانوا يحضرون مجالس السلطان، ويفطرون في شهر رمضان على سماطه.

قال صاحب وفيات الأعيان بعد إيراد ما تقدم تحصيله: وكان القاضي أبو المحاسن المذكور سلك طريق البغاددة في ترتيبهم وأوضاعهم، حتى إنه كان يلبس ملبوسهم والرؤساء يترددون إليه، وكانوا ينزلون عن دوابهم على قدر أقدارهم لكل واحد منهم مكان معين لا يتعداه، ثم إنه تجهز إلى الديار المصرية لإحضار ابنة الملك الكامل ابن الملك العادل للملك العزيز صاحب حلب، وكان قد عقد له عليها، فسار في أول سنة تسع وعشرين وستمائة وعاد وقد جاء بها، ولما وصل كان قد استقل الملك العزيز بنفسه، ورفعوا عنه الحجر، ونزل الأتابك طغرل من القلعة إلى داره تحت القلعة، واستولى على الملك العزيز جماعة من الشباب الذين كانوا يعاشرونه ويجالسونه فاشتغل بهم، ولم ير القاضي أبو المحاسن وجها يرتضيه، فلازم داره إلى حين وفاته، وهو باق على الحكم وإقطاعه جار عليه، غاية ما في الباب أنه لم يبق له حديث في الدولة، وكانوا يراجعونه في الأمر، فكان يفتح بابه لأسماع الحديث كل يوم بين الصلاتين، واستمر على ذلك حتى توفي سنة اثنتين وثلاثين وستمائة بحلب، وصنف كتابه ملجأ الحكام عند التباس الأحكام يتعلق بالأقضية في مجلدين، وكتاب دلائل الأحكام تكلم فيه على الأحاديث المستنبط منها الأحكام في مجلدين، وكتاب الموجز الباهر في الفقه، وكتاب سيرة صلاح الدين وغير ذلك، وجعل داره خانقاه للصوفية.

هذان هما الرجلان اللذان تعلقا بخدمة صلاح الدين، وحرص عليهما مع إدلالهما عليه، فنفقت بضاعتها في سوقه، والدولة سوق يحمل إليها ما يروج فيها، ومع ما كانا فيه من السعة لم تلههما الدنيا عن التأليف والتدريس وإحياء معالم العلم والأدب، فأثرا بفضلهما في حياتهما، وبعد موتهما كتب العماد السيرة الصلاحية ممزوجة بالأدب، ومع هذا لم يفته الغرض من التاريخ، حتى إنه قال فيما تم على الأسطول من فصل: «فانشقت مرائر الفرنج، وأزاحت سفنها عن النهج، وقرنصت بزاة البيزانية، وتقلصت جباه الجنوية، وكرثت أدواء الداوية، وكثرت أسواء الإسبتارية، وزادت آلام الألمانية، وعادت أسقام الإفرنسيسية.»

مما دل على أنه كان يعلم أجناس المحاربين، ومما ذكره أيضا في ذكر ما تجدد لملك الإنكتير (إنكلترا) من المراسلة والرغبة في المواصلة قال: وصلت رسل ملك الإنكتير إلى العادل بالمصافحة على المصافاة، والمواتاة في الموافاة، وموالاة الاستمرار على الموالاة، والأخذ بالمهادات، والترك للمعادات، والمظاهرة بالمصاهرة، وترددت الرسل أياما، وقصدت التئاما، وكادت تحدث انتظاما، واستقر تزوج الملك العادل بأخت ملك الإنكتير، وأن يعول عليهما من الجانبين في التدبير، على أن يحكم العادل في البلاد، ويجري فيها الأمر على السداد، وتكون المرأة في القدس مقيمة مع زوجها، وشمسها من قبوله في أوجها، ويرضي العادل مقدمي الفرنج والداوية والاستبار ببعض القرى، ولا يمكنهم من الحصون التي في الذرا، ولا يقيم معها في القدس إلا قسيسون ورهبان، ولهم منا أمان وإحسان، واستدعاني العادل والقاضي بهاء الدين بن شداد، وجماعة من الأمراء من أهل الرأي والسداد، وهم علم الدين سليمان بن جندر، وسابق الدين عثمان، وعز الدين بن المقدم، وحسام الدين بشارة، وقال لنا: تمضون إلى السلطان وتخبرونه عن هذا الشأن، وتسألونه أن يحكمني في هذه البلاد، فلما جئنا إلى السلطان عرف الصواب، وما أخر الجواب، وشهدنا عليه بالرضا، وعاد الرسول إلى ملك الإنكتير بفصل أمر الوصلة وإراحة الجملة وإزاحة العلة، واعتقدنا أن هذا أمر قد تم إلى أن قال: وبلغ الخبر إلى مقدميهم ورءوسهم، فقصوه على قسوسهم، وعسروا على عروسهم، فجبهوها بالعذل واللذع، ثم رضيت على شرط الموافقة في الدين، فأنف العادل إلى آخر ما ذكر.

القديم والحديث · الصفحة ١٦٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

القديم والحديثص ١٦٢