تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال من فصل في وفاة السلطان، وكيف كانت حاله بعده: «وبقيت تلك الأيام لا أفرق بين الدجى والضحى، ولا أجد قلبي من سقم الهم وسكره صح ولا صحا، وحالت حالي، وزال إدلالي، وزاد بلبالي، وبطل حقي، واتسع خرقي، وتنازل جاهي، وتنازق أشباهي، وأعضلت أدواء الدواهي، وبقيت المعارف متنكرة، والمطالع مكفرة، والعيون شاخصة، والظلال قالصة، والأيدي يابسة، والوجوه عابسة، وعادت أبكار خواطري عانسة، ونجوم قرائحي وشواردها الآنسة خانسة كانسة، وبقي باب كل مرتجى مرتجا، ومنهج كل معروف منهجا، وظعن الغني عني، واختلف في حسن الأخلاف بي ظني، حتى تولى الملك الأفضل بدمشق مقام أبيه، وقام بالأمر بعزم تأنيه وحزم تأتيه وعز تأبيه، فعرف افتقاره إلى معرفتي وفقري، وإلى عطل الملك ومحله من غزارة حلب دري ونضارة حلي دري، فكتبت له، وحليت من الملك عطله، ووشيت الكتب ووشعتها، وجليت الرتب ووسعتها، وهززت اليراعة، وأغزرت البراعة، وهجرت الجماعة، ولزمت القناعة.» ا.ه.

هذا هو الإعجاب بالنفس، بل إعجاب الفرس تراه ماثلا من أول كتابه إلى آخره، فقد قال في مقدمته: «وأودعته من فوائد الكلام، والفرائد الفذ والتؤام، در السحاب، ودر السخاب، وسميته الفتح القدسي تنبيها على جلالة قدره وتنويها بدلالة فخره، وعرضته على القاضي الأجل الفاضل، وهو الذي في سوق فضله تعرض بضائع الفضائل، فقال لي: سمه «الفتح القسي في الفتح القدسي»، فقد فتح الله عليك فيه بفصاحة قس وبلاغته، وصاغت صيغة بيانك فيه ما يعجز ذوو القدرة في البيان عن صياغته.» ا.ه.

وأظن أن القاضي الفاضل على جلالة شأنه ما كان يستحق هذا الإعظام من العماد لو لم يكن نوه له بكتابه، على أن للعماد من المزايا التي يفاخر بها ما قد يغفر له هذا التبجح، ولكن كثيرين يفاخرون، وليس عندهم شيء من المزايا. نشأ العماد بأصبهان، وقدم بغداد في حداثته، وتفقه بالمدرسة النظامية، وأقام بها مدة (ابن خلكان)، ولما تخرج ومهر تعلق بالوزير عون الدين يحيى بن هبيرة ببغداد، فولاه النظر بالبصرة ثم بواسط، فلما توفي أقام العماد مدة في عيش منكد وجفن مسهد، ثم انتقل إلى دمشق (562ه) وسلطانها يومئذ الملك العادل نور الدين، وعرفه والد صلاح الدين، فأحسن إليه وأكرمه وميزه من الأعيان والأماثل، وعرفه صلاح الدين ومدحه بقصيدة، ثم إن القاضي كمال الدين الشهرزوري نوه بذكره عند السلطان نور الدين، وعدد عليه فضائله، وأهله لكتابة الإنشاء، قال العماد: فبقيت متحيرا في الدخول فيما ليس من شأني ولا وظيفتي ولا تقدمت لي به دراية. ولقد كانت مواد هذه الصناعة عتيده عنده، لكنه لم يكن قد مارسها، فجبن عنها في الابتداء، فلما باشرها هانت عليه، وأجاد فيها وأتى فيها بالغرائب، وكان ينشئ الرسائل باللغة العجمية أيضا، وحصل بينه وبين صلاح الدين في تلك المدة مودة أكيدة وامتزاج تام، ولما أخذ صلاح الدين دمشق حضر بين يديه، وأنشده قصيدة أطال نفسه فيها، ثم لزم الباب ينزل لنزول السلطان ويرحل لرحيله، فاستمر على عطلته مديدة، وهو يغشى مجالس السلطان، وينشده في كل وقت مدائح، ويعرض بصحبته القديمة، ولم يزل على ذلك حتى نظمه في سلك جماعته واستكتبه، واعتمد عليه، وقرب منه فصار من جملة الصدور المعدودين والأماثل المشهورين، يضاهي الوزراء ويجري في مضمارهم، وكان القاضي الفاضل في أكثر أوقاته ينقطع عن خدمة السلطان، ويتوفر من مصالح الديار المصرية والعماد ملازم للباب بالشام وغيره وهو صاحب السر المكتوم، وصنف التصانيف الفائقة من ذلك كتاب خريدة القصر وجريدة العصر جعله ذيلا على زينة دمية الدهر تأليف أبي المعالي سعد بن على الوراق الخطيري، والخطيري جعل كتابه ذيلا على دمية القصر وعصرة أهل العصر للباخرزي، والباخرزي جعل كتابه ذيلا على يتيمة الدهر للثعالبي، والثعالبي جعل كتابه ذيلا على كتاب البارع لهارون بن علي المنجم.

القديم والحديث · الصفحة ١٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

القديم والحديثص ١٦٠