تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال في الوقعة العادلية: «ولما عرفت بالواقعة والنصرة الجامعة صدرت ثلثين أربعين كتابا بالبشارات بأبلغ المعاني وأبرع العبارات، وقلت: إذا نزل السلطان وجد الكتب حاضرة والبشائر شائرة، وركبت أنا والقاضي بهاء الدين بن شداد لمشاهدة ما هناك من أشلاء صرعى وأجساد، فما أعجل ما سلبوا وعروا وفروا وقروا، وقد بقرت بطونهم وفقئت عيونهم، ورأينا امرأة مقتولة لكونها قاتلة، وسمعناها وهي خامدة بالعبرة قائلة، وما زلنا نطوف عليهم، ونعبر ونفكر فيهم ونعتبر، حتى ارتدى العشاء بالظلام، فعدنا إلى الخيام، وأخذت الكتب التي نمقتها بالبشائر التي حققتها، وجئت وإذا السلطان قد استبطاني وعدم إجابتي لما دعاني، فما صبر ولا انتظر ولا ترقبني أن أحضر، ولا أمهل أن أعطي البشارة حقها، وأجلو بأنوار المعاني أفقها، وأبلغ بالبلاغة مداها، وأصبغ بتقليص الضلالة ثوب هداها، وأصف بحدود الأقلام ما صنعته حدود السيوف، وأروج نقودي عند السلطان وأغنيه عن الزيوف، فأبصرت عنده مشرفي المطابخ والأبيات ومدوني الجرائد بالإثبات، وقد كتبوا تلك البشارة الثقيلة الجليلة في رقاع خفيفة بعبارات سخيفة، وقد عطلت الحسناء من حليتها، وعروها من بزتها، وشوهوا جمالها وأحالوا حالها، فذهب بها المبشرون وسار القاصدون، فما كان لتلك الوقعة عند من وقعت عليها وقع، ولا تم لغليل من رام الاطلاع على حقيقتها نقع، وأرادوا بدمشق قراءتها على المنبر فما استحسنوها، ولو وردتهم بزينة عبارتي وبراعتي زينوها، وفي تلك الحال التفت السلطان إلي وقال: اكتب بهذه البشارة إلى بغذاذ، وعجل لها الإنفاذ، فقلت في سبيل العتب: أنتم تريدون ما أكتبه، ولا ترغبون فيما أرتبه وأهذبه، فقال: كأنك كتبت البشائر فهاتها حتى تهدي إلى طرقاتها، فقلت: ما فات فات، وهيهات هيهات، وأخرجت له ما بقي من بشارات البلاد التي أنشأتها، بالألفاظ والمعاني التي ابتدعتها وابتدأتها، فسارت فسرت البعيد والقريب، وخصت من جداها بالخصب الجديب، وصدحت بأسجاعها المنابر، وصمت بسماعها المفاخر، وظهرت بعباراتها العبر، وبهرت بزبرها الزبر، وعمرت بمعانيها المغاني، وعمت مباهجها مناهج الأقاصي والأداني.» ا.ه.

وقال من هذا البحر والقافية: «في ذكر لطف من الله في حقي خفي كان السلطان قبل استيلاء الفرنج على عكا بسنة قد عمل ترجمة تفرد بها القاضي ابن قريش لمكاتبة الأصحاب؛ ليكتب بها إليهم، ويعود بها الجواب، فلم يبق المكاتبة ابتداء وجوابا بخطي، وخرج حكم عكا في الكتابة عن شرطي، فقلت لأصحابي: ما صرف الله قلمي عن عكاء، إلا وفي علمه أن الكفر إليها يعود، وأن النحوس تحلها، وترحل عنها السعود، واستعاذني الله من استعادتها، وردها إلى شقاوتها بعد سعادتها. ولقد عصم الله قلمي وكلمي، وعرف شيم مخايل الطاقة من شيمي، وهذا قلم جمعت به أشتات العلوم مدة عمري، وما أجراه الله إلا بأجري، فالحمد لله الذي صانه وعظم شانه، وما ضيع إحسانه، وهو للفقير والفتيا، ومصالح الدين في الدنيا، وما عرف إلا بعرف، فما صرف إلا عن صرف، وما صفارته إلا في نجح، وما أسفاره إلا عن صبح، وما تجارته إلا لربح، فهو يمين الدولة وأمينها، ومعين الملة بل معينها، بمداده يستمد إمدادها، وبسداده للثغور سدادها، ودواته دواء المعضلات، وبعقده حل المشكلات، وبخطه حط عوادي الخطوب، وبقطه قط هوادي القطوب، وببريه برء الأمراض، وبدرئه درء الأعراض، وبدره انتظام عقود العقول، وبداريه ابتسام الإقبال والقبول، وبجريه جري الجياد للجهاد، وبسعيه سعي الأمجاد للأنجاد، وبحركته سكون الدهماء، وببركته ركون الرجاء، فما كان الله ليضيعه في صون ما لا يصونه وعون ما لا يعينه، فخفت على عكاء من وقوف قلمي عنها، وكان قد ألهمني الله، فإنه صانه ولم يصنها، وشكرت الله على هذه اللطيفة والعارفة الطريفة.» ا.ه.

القديم والحديث · الصفحة ١٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

القديم والحديثص ١٥٩