أكدوا - أيها السادة - أن تفسير القرآن الكريم يقرأ درسا على طلاب الجامعات في الغرب، كما تقرأ دروس الفلسفة والتاريخ والأدب، وما أنس لا أنس، وقد دعاني في بودابست الأستاذ غولد صهير العلامة المجري إلى داره، وهو يقول: إني الآن ذاهب إلى الكلية لإلقاء درسي وأعود إليك بعد مدة، فسألته ماذا تقرأ الآن لتلاميذك يا أستاذ، فقال: تفسير القرآن. وأغرب من هذا ما ذكره لي صديقي العلامة أحمد زكي باشا المصري، قال: دخلت على الأستاذ درانبورغ في مدرسة اللغات الشرقية الحية، فرأيته إسرائيليا يدرس كتاب المسلمين لجماعة من المسيحيين. أما الحديث والفقه والأصول والتصرف فهو أيضا مما يعانونه، كما يعانون غيره من آدابنا وتاريخنا وعلومنا. ورجال الإفرنج يدركون حقيقة العرب وعلومهم منذ توطد سلطان الأمويين في الأندلس، وأخذ بعض المتنورين منهم يدخلون تلك المملكة العربية ويدرسون العلوم على علمائها، ويعودون إلى فرنسا وإيطاليا ينشرونها بين قومهم. وكان بعض المشتغلين على علماء العرب من الإسرائيليين، وبعضهم من المسيحيين الذين تولوا بما تعلموه أعظم منصب ديني في النصرانية، وكأن الله سخر العرب ليفتحوا الأندلس ويعمروها؛ حتى ينقلوا لأهل أوروبا العلم والحضارة، ولما أنهوا مهمتهم عادوا أدراجهم من تلك المملكة البديعة.
امتاز المسلمون بإحسانهم إلى من خالفهم إذا كان مما تحمد سيرته السياسية والوطنية؛ ولذلك حموا الإسرائيليين مواطنيهم في الأندلس، ويوم أخرجوا منها فكروا في حماية الإسرائيليين ومصالحهم، كما نظروا في حماية أبناء دينهم، اشترطوا على الغالب شروطا تقيهم بأسه، وكان الإسرائيليون إذ ذاك في الغرب مضطهدين في كل مكان إلا في الأندلس، وكم استمتع الإسرائيليون بحريتهم على عهد العرب في الأندلس على صورة لم يعد لهم مثلها إلا في القرن الأخير في أوروبا.
حمى العرب الإسرائيليين في الغرب كما حموهم في الشرق، واعتمدوا عليهم في مصالح الدولة؛ لأن الإسرائيليين كانوا إذ ذاك يعضدون الحكومة التي تحكمهم كما هو اليوم في إيطاليا، حيث كان لهم القدح المعلى في قيام الوحدة الإيطالية منذ نحو خمسين سنة، وكان لهم من النفوذ الاقتصادي العظيم ما خدموا به الوحدة، وأخلصوا لها وخدموا سياسة إيطاليا، حتى أصبح منهم الولاة ورؤساء النظار وكبار العمال
2
لا ينازعهم منازع؛ وذلك لأن الإسرائيلي في إيطاليا إيطالي أولا، ثم إسرائيلي خلافا لما عليه سائر الممالك.
ولو لم يكن حكم العرب في الأندلس إلى اللين والعدل ما دام ثمانية قرون، وكذلك حكمهم في جزائر صقلية، وسردانية، ومنورقة، وميورقة، وقرسقة، وغيرها من جزر الطليان. وكان اختلاط العرب بالأمم اللاتينية ولا سيما بالبرتغاليين والإسبانيين والفرنسيس والطليان؛ ولذلك تجد في لغات هذه الأمم مئات من الألفاظ العربية، ولم ير الإيطاليون أن يغيروا شيئا من مصطلحات العرب، حتى إن الملك رجار الذي عاد فاستولى على صقلية سنة 845 كان يتكلم بالعربية، ومثله كثير من ملوك إيطاليا، وكان يفضل كثيرا على علماء العرب، وهو الذي وضع له الشريف الإدريسي الجغرافي كرة أرضية بالفضة، كانت من أعاجيب القرون الوسطى دهشت لها أجيال الإفرنج كلهم.
3
وكانت دراسة العربية شائعة في شبه جزيرة إيطاليا، ينظر إلى تعلمها أنه من الحاجات الماسة لكل تجار المدن البحرية، وقد وضع أحدهم سنة 1265م باللغة العربية كتاب المعاهدة التجارية بين تونس وجمهورية بيزا، وظلت العربية مألوفة في عدة أماكن من إيطاليا الجنوبية عقيب احتلال العرب صقلية، فكانت في بلاط نورمانديا، وهوهانستوفين، وفريدريك الثاني، ودي منفروا لغة العلم العالي والشعر والأدب، وكان من سقوط الدولة البيزنطية في القسطنطينية وهجرة علماء من اليونان إلى إيطاليا، وكثير من نصارى الشرق واختراع الطباعة وقيام الإصلاح الديني، أن هبت في أرجاء إيطاليا حركة النهضة العلمية التي تجلت في أجمل مظاهرها في الدروس الشرقية، ولا سيما في دروس العربية والإسلام.