مثل هذا الفاتح العظيم مات ولم يحفظ ما تجب عليه به الزكاة، فإن صدقة النفل استرقت جميع ما ملكه من الأموال، فملك ما ملك، ولم يخلف في خزانته من الذهب والفضة إلا سبعة وأربعين درهما ناصريا وجرما واحدا ذهبا، ولم يخلف ملكا ولا دارا ولا عقارا ولا بستانا ولا قرية ولا مزرعة ولا شيئا من أنواع الأملاك، وكان - رحمه الله - يهب الأقاليم وفتح آمد (ديار بكر) وطلبها منه ابن قره أرسلان، فأعطاه إياها، وهو يعطي في وقت الضيق كما يعطي في حال السعة، وكان نواب خزائنه يخفون عنه شيئا من المال حذرا أن يفاجئهم مهم لعلمهم بأنه متى علم به أخرجه، قال ابن شداد: وكان يعطي فوق ما يؤمل الطالب، فما سمعته قط يقول: أعطينا لفلان، وكان يعطي الكثير، ويبسط وجهه للعطاء بسطه لمن لم يعطه شيئا، وما سمعته قط يقول: قد زدت مرارا فكم أزيد، وأكثر الرسائل كانت تكون في ذلك على لساني ويدي، وكنت أخجل من كثرة ما يطلبون، ولا أخجل منه من كثرة ما أطلبه لهم؛ لعلمي بعدم مؤاخذته في ذلك، وما خدمه أحد إلا وأغناه عن سؤال غيره، وقد سمعت من صاحب ديوانه يقول لي: قد تجارينا عطاياه، فحصرنا عدد ما وهب من الخيل بمرج عكا، فكان عشرة آلاف فرس، ولم يكد يركب فرسا إلا وقد وعد بأن يعطيها لأحد طلاب عطاياه، وبالجملة فإن ما ذكره العماد وابن الشداد عن خلال صلاح الدين ومواظبته على القواعد الدينية وملاحظته للأمور الشرعية وعدله وكرمه وشجاعته واهتمامه بأمر الجهاد وصبره واحتسابه وحلمه وعفوه ومحافظته على أسباب المروءة هو العجب العجاب، وقرة عين المسلمين والعرب على مر السنين والأحقاب.
يرى الناظر في كتاب العماد الكاتب الأصفهاني أنه لم يكد يغفل تفاصيل الوقائع الصلاحية، أو يشذ عنه نادرة من النوادر اليوسفية الأيوبية على ضيق عطن النثر والسجع عن قبول هذه المعاني بجملتها، ويعاب على الأصفهاني كثرة تبجحه بكتابته، فقد ذكر غير ما مرة من كتابه أنه كان هو الفرد المقدم في الديوان الصلاحي، مع أن ابن شداد ذكر عن نفسه شيئا من ذلك بالعرض، أورده - كما رأيته - في معرض الكلام عن منائح صلاح الدين، ولكن صاحبنا العماد جرى على عادة الفرس في المبالغة سامحه الله.
فقال في فتح بيروت: «وكنت يومئذ في مرض قد أزعجني وأعجزني، ومضض أجفاني، ولعيون العواد أبرزني، وانقطعت عن الحضور عند السلطان، وضعفت عن تحرير كتاب الأمان، فطلب السلطان كل كاتب في ديوانه، وكل من يمسك قلما من أفاضل الملك وأعيانه، فلم يرضه ما كتبوه، ولم يكفه ما رتبوه، فجاءني في تلك الحالة من استملاه مني، ومرضت أذهان الأصحاء، ولم يمرض ذهني، فتسلم بيروت بخطي، وأصبحوا وأنا الآخذ والمعطي، وكان الناس قد أنسوا بما أسطره وأزبره، وأنسوا سوى ما أذكره وأحبره وألفوا الصحة فيه فألقوه، ولقوا السقم في غيره فأنفوه، فلم يكن في ذلك التوقيع تعويق، بل كله بتوفيق من الله توثيق، فما فتح فتح إلا بمفتاحه، ولا رتق فتق إلا بإصلاحه، ولا جلي ظلام إلا بإصباحه، ولا وري زند إلا باقتداحه.» ا.ه.
وقال من فصل: وكان قد عرض له مرض، فانقلب إلى دمشق يداوي مزاجه، فلما عاد إلى الحضرة سأله السلطان: «أين كنت؟ ولم أبطأت؟ وحيث أصبت في المجيء فما أخطأت، وقد كنا في انتظارك والسؤال عن أخبارك، وهذا أوان إحسانك، فأين إحسان أوانك، فأجر بنانك بجرأة بيانك، وأجز في ميدانك، وما للبشائر (بفتح القدس) إلا واصفها، وللفرائد إلا راصفها، وللفصاحة إلا قسها وللحصافة إلا قيسها، وكان قد جمع أمس كتاب دواوينه على إنشاء كتب ما ارتضاها واقتضاب معان ما اقتضاها، وكانوا سألوه في كتاب الديوان العزيز فقال: لهذا من هو أقوم به. وعناني، فلما ساءني ناداني واستدناني، فصرفت إلى امتثال أمره عناني، وسلم إلي الكتب التي كتبوها بالألفاظ التي رتبوها، وقال: غيرها ولا تسيرها. وغرضه أني أعدل معوجها، وأبدل مثبجها، وأفترع المعنى البكر للفتح البكر، وأوشح ذكر آياته بآيات الذكر. فاستجديتها فما استجدتها، واستلمحتها فما استملحتها، وشممتها وبها سهك، وكشفتها وسترها هتك، وكانوا قد تعاونوا عليها وفيها لهم شرك، فشرعت في افتضاض الأبكار، واقتضاء الأفكار، واقتراح القريحة، واقتراء رحاب الكلم الفصيحة الفسيحة، وافتتحت في بشرى الفتح بكتاب الديوان العزيز، وأوردت المعنى البليغ في اللفظ الوجيز، ووشحت ووشعت، وشعبت وأشبعت، وأطلت وأطبت، وصبت وأصبت، وأعجزت وأعجبت، وأطريت وأطربت، وأبعدت وأبدعت، ورصعت وصرعت، وطابقت وجانست، ووافقت وأنست ...» ا.ه.