تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذه الغلطة الوحيدة هي التي أحصيت لصلاح الدين، وهي في الحقيقة انتقام المتفقهة من المتفلسفة أو النقل من العقل، وهذا الانتقام ما برح على أشده في كل زمان، ولا سيما منذ القرن السادس إلى آخر العاشر، فإنه قتل في بلاد الإسلام كثير من الأعاظم، أو اضطهدوا، وأوذوا من قبل أعداء الفلسفة، وما عدا ذلك فإن صلاح الدين لا يلام على قتل أحد من الصليبيين؛ لأنهم أفحشوا هم في أسراه، وعاهدوا فخانوا، ومثل من قتلهم من المصريين للقضاء على الدولة العبيدية، أو من قاموا يدعون إليهم بعد أن زالت دولتهم، وفي جملتهم عمارة اليمني الشاعر، كل ذلك يغتفر له؛ لأنه في سبيل تأييد سلطانه، والملك عقيم كما قيل.

ومما ذكره ابن شداد في عدله أنه كان رءوفا رحيما ناصرا للضعيف على القوي، وكان يجلس للعدل كل يوم اثنين وخميس في مجلس عام يحضره الفقهاء والقضاة والعلماء، ويفتح الباب للمتحاكمين حتى يصل إليه كل أحد من كبير وصغير وعجوز هرمة وشيخ كبير، وكان يفعل ذلك سفرا وحضرا على أنه كان في جميع زمانه قابلا لجميع ما يعرض عليه من القصص في كل يوم، ويفتح باب العدل، ولم يرد قاصدا للحوادث والحكومات، وكان يجلس مع الكاتب ساعة إما في الليل أو في النهار، ويوقع على كل قصة بما يجريه الله على قلبه، ولم يرد قاصدا أبدا ولا متنقلا ولا طالب حاجة، وما استغاث إليه أحد إلا وقف وسمع قضيته، وكشف ظلامته، واعتنى بقصته. ولقد رأيته واستغاث إليه إنسان من أهل دمشق يقال له ابن زهير على تقي الدين ابن أخيه، فأنفذ إليه ليحضر إلى مجلس الحكم، وكان تقي الدين من أعز الناس عليه وأعظمهم عنده، ولكنه لم يحابه في الحق.

وأعظم من هذه الحكاية مما يدل على عدله قضية جرت له مع إنسان تاجر يدعى عمر الخلاطي، وذلك أني كنت يوما في مجلس الحكم بالقدس الشريف، إذ دخل علي شيخ مسن تاجر معروف يسمى عمر الخلاطي معه كتاب حكمي يسأل فتحه، فسألته: من خصمك، فقال: خصمي السلطان، وهذا بساط العدل، وقد سمعت أنك لا تحابي، قلت: وفي أي قضية هو خصمك؟ فقال: إن سنقر الخلاطي كان مملوكي، ولم يزل على ملكي إلى أن مات، وكان في يده أموال عظيمة كلها لي، ومات عنها، واستولى عليها السلطان وأنا مطالبه بها، فقلت له: يا شيخ! وما أقعدك إلى هذه الغاية، فقال: الحقوق لا تبطل بالتأخر، وهذا الكتاب الحكمي ينطق بأنه لم يزل في ملكي إلى أن مات، فأخذت الكتاب منه، وتصفحت مضمونه، فوجدته يتضمن حلية سنقر الخلاطي، وأنه قد اشتراه من فلان التاجر بأرجيش اليوم الفلاني من شهر كذا من سنة كذا، وأنه لم يزل في ملكه إلى أن شذ عن يده في سنة كذا، وما عرف شهود هذا الكتاب خروجه عن ملكه بوجه ما، وتم الشرط إلى آخره، فتعجبت من هذه القضية، وقلت للرجل: لا ينبغي سماع هذا بلا وجود الخصم، وأنا أعرفه وأعرفك ما عنده، فرضي الرجل بذلك واندفع، فلما اتفق المثول بين يديه في بقية ذلك اليوم عرفته القضية، فاستبعد ذلك استبعادا عظيما، وقال: كنت نظرت في الكتاب، فقلت: نظرت فيه ورأيته متصل الورود والقبول إلى دمشق، وقد كتب عليه كتاب حكمي من دمشق، وشهد به على يد قاضي دمشق شهود معروفون، فقال: مبارك، نحن نحضر الرجل ونحاكمه، ونعمل في القضية ما يقتضيه الشرع.

ثم اتفق بعد ذلك جلوسه معي خلوة، فقلت له: هذا الخصم يتردد ولا بد أن نسمع دعواه فقال: أقم عني وكيلا يسمع الدعوى، ثم يقيم الشهود شهادتهم، وأخر فتح الكتاب إلى حين حضور الرجل ها هنا، ففعلت ذلك، ثم أحضر الرجل واستدناه حتى جلس بين يديه وكنت إلى جانبه، ثم نزل من طراحته حتى ساواه وقال: إن كان لك دعوى فاذكرها، فحرر الرجل الدعوى على معنى ما شرح أولا، فأجابه السلطان: إن سنقر هذا كان مملوكي، ولم يزل على ملكي حتى أعتقته، وتوفي وخلف ما خلفه لورثته، فقال الرجل: لي بينة تشهد بما ادعيته، ثم سأل فتح كتابه ففتحه فوجدته كما شرحه، فلما سمع السلطان التاريخ: قال عندي من يشهد أن سنقر هذا في هذا التاريخ كان في ملكي وفي يدي بمصر، وإني اشتريته مع ثمانية أنفس في تاريخ متقدم على هذا التاريخ بسنة، وأنه لم يزل في يدي وملكي إلى أن أعتقته، ثم استحضر جماعة من أعيان الأمراء والمجاهدين فشهدوا بذلك، وذكروا القصة كما ذكرها التاريخ كما ادعاه، فأبلس الرجل، فقلت له: يا مولاي! هذا الرجل ما فعل ذلك إلا طلبا لمراحم السلطان، وقد حضر بين يدي المولى ولا يحسن أن يرجع خائبا للقصد، فقال: هذا باب آخر، وتقدم له بخلعة ونفقة بالغة قد شذ عني مقدارها، قال ابن شداد: فانظر إلى ما في طي هذه القضية من المعاني الغريبة العجيبة والتواضع، والانقياد إلى الحق، وإرغام النفس، والكرم في موضع المؤاخذة مع القدرة التامة. ا.ه.

القديم والحديث · الصفحة ١٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

القديم والحديثص ١٥٧