العلم الصحيح هو الذي يبعث صاحبه على عمل النافع ، ولو كان في ذلك ضياع مصلحته الشخصية، فلا يبالي حامله بغضب الرؤساء والزعماء، ولا يستغويه رضى الغوغاء والدهماء، يتجشم المخاطر في نشر خاطر، ويركب كل صعب وذلول لإنارة مظلمات العقول.
العلم الصحيح هو الذي خلص من ضغط الأهواء السياسية والمذهبية، وسلم من التأثيرات والغايات، فلقنه صاحبه بريئا من شوائب النزعات والنزغات، وأثر في نفسه تأثيرا مجردا، فإذا نطق بعده فلا ينطق إلا بما يوحي إليه هاتف الفهم السليم، والعقل الحكيم، فلا يتعصب للآباء والجدود، ومألوفات المحيط، وعادات الأهل والإقليم، ويتحزب لشيخه وأستاذه ولو تجلى له أنهما تنكبا عن طريق الحق.
العلم الصحيح هو الذي يحترم صاحبه به آراء غيره، ولو كانت مباينة لأفكاره كل المباينة، ولا يعدها سخافات وترهات فينكر كل ما لا يعلم ويستكثر ما وعى، ولا يعد حطة عليه أن يتسقط الحكمة أنى وجدها وفي أي المظاهر ظهرت، فيأخذ نفسه بالتعلم ولو شاب وجاوز الثمانين.
العلم الصحيح هو الذي تكون نتائجه أكثر من مقدماته، وفروعه خيرا من أصوله، يأخذ له حامله من نفسه، فلا يتكبر عن إفادة، ولا يستنكف من استفادة، ويسعى إلى بث ما يعرف في كل أفق، ويعد البشر إخوة فلا يقصر في تعليمهم مما علم، يقينه أن صلاح الأفراد سلم للوصول إلى إصلاح الجماعة، والمصلحة العامة هي أبدا موضوع نظر من رزق حظا من هذا العلم.
العلم الصحيح هو الذي يربي الملكات ويهذب النفوس، فلا يستخدم صاحبه علمه أداة للغلبة بالباطل، والإدلال على الأقران، والذهاب بفضل الشهرة والمحمدة الزائلة والتبجح والتنطس، فامنح اللهم بفضلك هذه الديار شيئا من هذا العلم، وكثر فيها سواد أهله بمنك وحسن تسديدك.
| علاقة العرب بالغرب1
فأميرنا هو الذي وضع المسألة العربية على بساط البحث، ووجه إليها أنظار العالم الغربي، وكانت مسألتنا من قبل مندمجة في المسألة الشرقية، فميز بصحة عقله بين المسألتين الشرقية والعربية، وأبان للغربيين أن العرب غير الترك، وأننا أمة قوية الشكيمة، يبلغ عددنا أكثر من نصف سكان تلك الإمبراطورية العثمانية المنحلة، وأبعد منهم كعبا في المدنية، وليس لهم من المزايا علينا إلا أن الطالع ساعد ملوكهم الأقدمين، وقاموا بغفلة الدهر عنهم، فأنشئوا ذاك الملك الضخم بقوة سلاحهم الذي لم يبرحوا شاهريه إلى ساعة انهزامهم من بين أظهرنا؛ أي إنهم اكتفوا مدة أربعة قرون باستصفاء البلاد، وما استطاعوا أن يستصفوا القلوب، وشتان بين من يخضع الأجسام الجامدة، ومن يخضع الأجسام الحية.
ربما كان بين أهل الغرب اليوم عدد قليل من الناس لا يثبتون مزية للمدنية العربية القديمة، وهؤلاء ممن أخذوا معلوماتهم عن كتب أملاها المتعصبون منهم، وبعضهم من سكان الأديار الذين ضاقت عن تحملهم، مثل أرض فرنسا، وسويسرا الحرة، ولكن هناك مئات من علماء المشرقيات أخصوا بعلوم الشرق ولغاته، ولا سيما بسيدتها اللغة العربية، فدرسوا الحضارة العربية والتاريخ العربي في مظانه وبلغته، وأزالوا غشاوة الأوهام عن العوام بما أنشئوه من المجلات، ونشروه من الكتب بلغاتهم المختلفة، يبينون للناس مجد هذه الأمة الغابر، وأيامها الغر المحجلة، وربما كان منهم المتعصب للعرب وتحبيذ دولهم السالفة أكثر من تعصبه لمدنية الأمم الحديثة، وهؤلاء هم الذين يخدمون العلم للعلم، لا يتبعون فيه على الغالب هوى النفوس في السياسة، ولا سلطان للأديان تمليه على ضمائرهم.
ومن قرأ دائرة المعارف الإسلامية التي لا تزال تصدر إلى اليوم في مطبعة ليدن من عمل هولاندة بلغات العلم الثلاث: الإنكليزية والألمانية والفرنسوية، وهو أصح كتاب كتب في تاريخ بلاد العرب وجغرافيتها، وتراجم رجالها وأصول شعوبها، ومن عرف أن أمهات كتبنا في الدين والعلم والتاريخ لا تزال تطبع في مطابع الغرب من زهاء أربعمائة سنة؛ أي على أوائل عهد اختراع الطباعة، وأن المطبوع منها بالعناية الفائقة تتألف منه خزانة كتب كبرى تحتوي على كل فن ومطلب، وأن ما طبع من أسفار أسلافنا في أوروبا وأميركا على أيدي المستشرقين من أهل تينك القارتين يبلغ أضعاف أضعاف ما طبع بلغات الشرق كله؛ من عرف كل هذا يدرك ولا جرم مبلغ عناية الإفرنج بلغتنا ومدنيتنا وتاريخنا.