تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وابتدعت مدينة غوتمبرغ طريقة لفتت إليها الأنظار في جميع الأقطار ألا وهو أن تعهد بتجارة العرقى في كل مقاطعة إلى جمعية تضع منها رأس المال، ولكنها لا تأخذ من الأرباح إلا الفائدة المعتدلة المتعارفة، وتترك ما زاد عن ذلك يصرف في أعمال نافعة؛ فنتج من ذلك أن كل جمعية من هذه الجمعيات لم تر من مصلحتها أن تطلب المزيد في توسيع أعمالها، وبلغت الحال بكثير من أمثال هذه الجمعيات أنها لم تعط جانبا عظيما من الرخص التي يحق لها إعطاؤها، وإذا كانت كل حانة تقدم طعاما أصبح صاحبها لا يربح من الشراب بقدر ما يربح من الطعام؛ ولذلك كان من مصلحته ألا يكثر من بيع الألكحول.

وأنشأت هذه الجمعية في مدينة غوتمبورغ مثلا مطاعم حسنة لا تقدم فيها للمستطعمين غير نوع من المشروبات فقط، رأت أنه يعين على اشتهاء الطعام، وأنشأت في أنحاء كثيرة من المدينة غرفا للمطالعة، يدخلها في السنة نحو ثلاثمائة ألف مطالع، وبهذه الطريقة نزل معدل تناول المسكرات في العشرين سنة الأخيرة إلى 40 في المائة بمدينة أستوكهلم وإلى 45 في مدينة غوتمبورغ، وسنت السويد عام 1892 قانونا إجباريا يقضى فيه على جميع المدارس أن تلقي دروسا في طبيعة المشروبات الروحية وتأثيراتها المضرة.

هذا ما قامت به حكومة السويد، التي لا يحظر دينها تعاطي المشروبات، وهي البلاد المشهورة ببردها وزمهريرها، فما الذي قامت به الحكومة المصرية التي تحظر شريعتها كل مسكر وحرارة إقليمها لا تعذرها في الاستهتار والاسترسال في كرع كل ما يخترعه المخترعون من أنواعها، وما يصنعه الصانعون في أرضها ليبيعوا من فقيرها الكأس بمليم، فيورده موارد الهلاك في دار الجحيم، فليت أهل شمالي أفريقيا يعملون هم وحكومتهم ببعض ما عملت به حكومة السويد في شمالي أوروبا.

فإن قالوا في الإحصاء الأخير: إن في نيويورك وسكانها ثلاثة ملايين ونصف 10820 محلا لبيع المسكرات بالمفرق، وفي باريز وسكانها مليونان ونصف 30000، وفي لندرة وسكانها أربعة ملايين ونصف 5860 محلا، فأنا أقول: إن في هذه العاصمة الأسيفة أكثر من هذا العدد، يبيع لأهلها الصبوح والغبوق من فاسد الألكحول، فيفسد الأجسام والعقول.

| المآدب والإسراف1

في الشريعة السمحة آداب اجتماعية عالية لو عمل بها المسلمون، لما لحقت غبارهم أمة في مكارم الأخلاق وتهذيب النفوس، فلو عمل المسلم بشريعته فأخرج الزكاة مثلا لما رأيت اليوم فقيرا ولا جائعا ولا عريانا، ولو تجانف الكذب والتزوير وأكل المال بغير حق لما اشتغل القضاة طول النهار بفض الخصومات بين الناس.

البشر الآن في ضائقة، لم ينلهم بعضها من عهد حفظ التاريخ، أمن المروءة أن ينعم بعض أفراده ويسرفوا على حين تكفي فضلات طعامهم والزوائد من رفاهيتهم ومظاهرهم لأن تعول كثيرين من المحاويج؟! وأغرب طرق الإسراف أن يفضل المتوسط الذي هو أقرب إلى الفقر من الغنى على الأغنياء والمنعمين ليقال عنه إنه كريم، وهو يرى في أهل محلته والمحتفين به مئات يطوون الليالي على الطوى ولا راحم لأنينهم.

كثير من أوضاعنا وعاداتنا يحتاج إلى أن يعالج بالإصلاح لنعود به إلى هدى الإسلام، أو إلى أساليب المدنية الحديثة، فقد أصبحنا في معظم حالاتنا لا إلى القديم ننسب ولا بالحديث نعرف أو نعرف، فغدا مجتمعنا وفيه كثير من الغث والرث وضروب من سخيف العادات والمراسم.

دعا منذ أيام أحد المنتسبين للمعارف مائة وثلاثة أشخاص من أهل بلده إلى حضور مأدبة لهم أقامها في داره، وأطعمهم أجود الطعام، وضروب الحلواء والمعجنات، ولولا لطف المولى لأصيبوا بالتخمة وسوء الهضم! وقد كان المدعوون أشتاتا لا تجمع بين كثير منهم إلا جامعة السكنى في بقعة ولدة، ومن العادة أن يجتمع في المآدب الخاصة عند المتمدنين أهل طبقة معينة من الناس حتى يأنس المدعوون، يتساوون في الجلوس إلى الخوان بحيث يكلمهم صاحب الدعوة ويكلمونه، ولكن هذه الدعوة كانت كما هي معظم الدعوات في هذه الديار لمجرد إملاء بطون المدعوين، كأنهم في مطعم اجتمعوا بالعرض، ولا جامعة بينهم إلا جامعة الأكل.

القديم والحديث · الصفحة ١٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

القديم والحديثص ١٤١