ماذا عرفنا من مضار الخمور؟ عرفنا أنها تحدث نشوة في النفس، وطربا في الفؤاد، ونفعا في الصحة، ونشاطا في الجسم، ونضرة في الوجه، وعرف الغرب منذ أوائل القرن التاسع عشر مضارها في إزهاق الأرواح، وتشويه الخلقة الطبيعية، وتأثيرها في النسل والعقل، وأنها يزيد بها عدد المعتوهين، بل كاد بعضهم لا يرى استعمالها حتى في الأدوية، يكثر السكر في الأصقاع الباردة مثل روسيا والسويد وشمالي فرنسا ونورمنديا وإنكلترا، ولكن يكثر مناهضوه وتفكر حكوماته في الخلاص منه، فأين هي مجتمعاتنا التي نخطب فيها بمضاره؟ وأين حكومتنا من مناهضته؟ بل إنك ترى زعيم الاحتلال في تقريره مغتبطا بأن الخمور التي دخلت السودان في العام الماضي «كانت ولله الحمد» من النوع الجيد، أي الذي لا يضر بصحة المأمورين والموظفين من الإنكليز والوطنيين.
آه، متى يكون شأن الشرق في السعي وراء المنافع سعي الغرب فيها؟ الغرب لم يكتف بتأليف المجتمعات لمقاومة المسكرات، والنعي على شاربيها، والتنفير منها بالقدوة والتعليم والإرشاد، بل عمد إلى سن القوانين، فاستعان بها لإنقاذ أبناء الجيل الحاضر والجيل الآتي من مضار الألكحول، وكانت أبدا قوانينه تابعة للزمن سائرة بحسب سنة التكامل.
هذه بلاد السويد، وهي من البلاد التي يقرص فيها البرد إلى التي لا فوقها، ومع هذا نراها كما وصفها مكاتب الطان هذه الأيام بعد أن كان يصيب الفرد فيها سنة 1830م 40 ليترا من المكسرات، أصبح لا يصيبه أكثر من 6 ليترات سنة 1895 بفضل ما قام به قادة الأفكار وتابعتهم عليه حكومتهم، أي إنه نزل معدل مقطوعية كل فرد في السنة من المسكر إلى سدس ما كان عليه قبل 65 سنة.
بدأ الإفراط في تعاطي المسكرات ببلاد السويد منذ أواخر القرن الثامن عشر، لما احتكرت الحكومة الألكحول، فاسترسل أهل البلاد في تعاطيها حتى كاد سيلها يجرف كل ما وقف في سبيله، ولم يسكر إلا بسكر منيع أقامته فئة من أهل الخير، وفي مقدمتهم رجل اسمه بطرس ويزلكران عميد مدينة غوتمبورج، جاهد هذا الرجل ثلاثين سنة حتى وفق عام 1855 إلى وضع حد لهذا السم القتال، فبدأ دور الإصلاح، وكان ما عرضه من الأفكار أساسا لوضع القوانين الحاضرة في هذا السبيل، وكلها ترمي إلى معاملة بائعي المسكرات وصانعيها بالقسوة الزائدة.
ضربت الحكومة السويدية على صانعي المسكرات ضرائب فاحشة، وأخذت تزيدها الحين بعد الآخر حتى بلغت سنة 1888م 138 فرنكا على كل هكتولتر، أي مائة لتر، فعجزت المعامل الصغيرة عن صنع المسكرات إذ قضي على كل معمل، إما أن يخرج أربعة هكتولترات في اليوم من الألكحول الخالصة أو يغلق أبوابه، ولم تسمح الحكومة بتنزيل هذا المعدل إلى هكتولترين ونصف إلا سنة 1871، وحظرت أيضا صنع الألكحول إلا في شهرين من السنة فقط، ثم تسامحت ورخصت على توالي السنين بأن تصنع سبعة أشهر في السنة.
وكان من نتائج هذه الذرائع الشديدة أن قل في البلاد عاصرو الخمر، فبعد أن كان سنة 1829م 124 و172 معملا في السويد نزل سنة 1898 إلى 128 معملا.
وجعلت تلك الحكومة بيع المسكرات حرا في الجملة، إلا أنها جعلت معدل ما يباع منه بالجملة 250 لترا، وألا يباع بالمفرق أقل من لتر واحد؛ ليأخذها المبتاع معه، ولا يشربها في المحل الذي يشتري منه، وعاملت الحانات بالشدة الزائدة، وكذلك محال بيع المسكرات، فأمرت أهلها أن يغلقوا محالهم الساعة الثامنة مساء في القرى والساعة العاشرة في المدن، ولم تسمح لبائع أن يتقاضى مالا من رجل ثمن خمر باعه إياه بالنسيئة.
وجعلت السويد 42 فرنكا ضريبة على كل هكتولتر من الألكحول الصافي وهي ضريبة فاحشة، ومنعت كل مديرية من بيع الخمر في دائرة اختصاصها، فأدى ذلك إلى إلغاء معظم المحال التي تبيع بالمفرق، بحيث أصبحت لا ترى في قرى بلاد السويد - وسكانها نحو خمسة ملايين - سوى 123 محلا لبيع المسكرات، بل إنك تمر في أربع ولايات، ولا تجد محلا واحدا لبيعها.