فتأمل أمشاجا من الناس يشتركون على طعام، وهو ساعة مؤانسة ومباسطة، هل يجدون حديثا يلذهم على السواء، وينفض عقد اجتماعهم على لا شيء، اللهم إلا قشور من حديث معاد، وأمور لاكتها الألسن، فلا تنفع في دين ولا دنيا.
قد يضطر بعض أرباب المروءات إلى عشرة المتخالفين في الأذواق والمشارب، وتدعوه الحال إلى مباسطتهم والأنس معهم أحيانا، فإذا أراد أن يجمعهم كلهم في صعيد واحد في يوم واحد، يكون قد أساء إليهم في الحقيقة أكثر مما أحسن، خصوصا من علت عاداتهم عن مستوى العادات العامية، التي لا ترجع إلى أصل من الأصول المتعارفة، فقد قال حجة الإسلام في باب آداب المآدب من إحياء العلوم: وينبغي للداعي ألا يدعو من يعلم أنه يشق عليه الإجابة، وإذا حضر تأذى بالحاضرين بسبب من الأسباب، والغربي اليوم إذا دعا في الغالب إنسانا يقول له أو يكتب أن مأدبته يكون عليها معه فلان وفلان، فالمدعو إذا لم يرقه الاجتماع بأحدهما يكتب قبل ميعاد الدعوة بالاعتذار عن الحضور.
وليمة فيها زهاء مائة مدعو، لو أدبت في أرقى عواصم الأرض لما حوت إلا أخلاط الزمر، فعلى من اضطر إلى دعوة هذا العدد الدثر أو السرية الكاملة أن يقسمها إلى خمس مآدب ويقسم الأطعمة وما يتبعها، والنفقات وما يتشعب منها، على تلك النسبة، وهناك تحصل الفائدة من الاجتماع، ويعرف كل مدعو أنه حضر واستأنس حقيقة، وإذا كان صاحب الدعوة يريد مظهرا، فمظهر الخمسة أكبر من مظهر الواحد على كل حال.
أقبح ما يقبح من أحوالنا أن نسرف في موطن نحتاج فيه كل الحاجة إلى الاقتصاد وصرف المال في سبيله المشروعة، نطعم أرباب المظاهر، ونسرف في المأكل والمشرب والملبس، ثم نشاهد عباد الله يتضورون جوعا، ولا تأخذنا بهم رحمة، وقد قال
صلى الله عليه وسلم : «شر الطعام طعام الوليمة، يدعى إليها الأغنياء دون الفقراء.»
| التمدن الأنثوي1
أرى فئة كالغانيات تدللا
تميل مع الأهواء كل مميل
تخال الفتى منهم على ظلمة النهى
لألوان ثوبيه سماء أصيل
ملول كما شاء الهوى واقتداؤه
بمن حوله من خلة وخليل
وما وجد الأعمال يوما وإنما
ليستحسنوا فيه دلال ملول
وظن الفتى أن التمدن «أنثوي»
فتابع فيه كل ذات حليل
تماجن في أشكالها من مصبغ
إلى كل مجلو وكل صقيل
إلى اللفظ حتى ما تكاد شفاهه
تبين بلفظ منه غير نحيل
إلى اللحظ حتى ما تكاد جفونه
تطارح لحظا منه غير عليل
دلال جميل بالجمال مهنأ
فآه عليه من دلال جميل
أولئك هم شباننا لو عرفتم
وهم كل من في مصر غير قليل
مظاهر نبل نافقوا في اصطناعها
ألا قبحت من صنعة لنبيل
هذا ما وصف به الرافعي شباننا، وكلامه يصدق على بعض من يتأنقون في الزينة، فيصففون شعورهم، ويحففون خدودهم، ويفتلون سبلاتهم، وينغمون بأصواتهم، وربما مزجوا كلامهم ببعض الألفاظ الإفرنجية، ويختارون من الألبسة آخر زي من صدرة ملونة مخرمة، صنعت من القطيفة المزركشة، وسترة مشقوقة وسروايل ضيقة، وخاتم ماس في اليد، وعصا عقافتها من الذهب، وحذاء ملونا ملمعا، وطربوشا مقرنا مكويا، وبالجملة كل ما فيه ظاهر مموه، ممن تراهم إذا جمعك بهم الاتفاق وقد عبقت منهم رائحة الطيوب والعطور، وقد حرصوا على الأزياء حرصهم على أعز الأشياء.
التطيب والتزين والتجمل باللباس الجيد الجديد حسن في ذاته مباح عقلا وشرعا، أحل لنا كما أحلت الطيبات، ولكن إذا جاوز صاحبه فيه الحد كان أجدر بربات الحجال منه بالرجال؛ لأنه مشغلة عن ارتياد الفضائل والسعي في سبيل الكمال الحقيقي، وناهيك بأن من شبابنا من يصرفون ساعتين كل يوم في التبرج «التوالت»، كأنهن بعض النساء يتزين لبعولتهن.
وهذا مما يسجل علينا ضعف النظر في كل ما اقتبسناه من عادات الغربيين، فقد اقتدينا بسرف المسرفين منهم، ولم نهتد بهدي أهل القصد والاقتصاد، وجاريناهم في التبرج والتزين بعد أن كانا غير معهودين في الشرق إلا للمخنثين، وشايعناهم على تعاطي المسكر والميسر، فأضعنا آدابنا وديننا طمعا في إحراز هذا التمدن الذي لا يقوم بزعمنا إلا بالانسلاخ من وطنيتنا وعاداتنا المستحسنة، واقتباس كل عادة تأتينا من طريق الإفرنج.